تخطي إلى المحتوى الرئيسي

معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 654

مساهمون:

ص٦٥٤
قال اللّه عزّ وجلّ قاصّا ما دعا به نوح عليه السّلام ربّه :
قالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ ( 117 ) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 118 ) : فأبان نوح عليه السّلام في دعائه لربّه أنّه يئس من إيمان قومه عن طريق إراداتهم الحرّة يأسا نهائيّا ، إذ قال في دعائه :
رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ
وفي قراءة يعقوب : [ كذّبوني ] بإثبات ياء المتكلّم ، أي : إنّ كلّ قومي كذّبوني باستثناء القلّة الّذين آمنوا بي واتّبعوني ، ومنعوني من متابعة دعوتي في عامّتهم ، فلم يبق لي مطمع في هداية أحد منهم غير الّذين آمنوا بي ، وقد بلغوا دركة التّكذيب الجازم لي ، بعد كلّ بياناتي ومجادلاتي لهم . وطوى عليه السّلام في دعائه لربّه ، ذكر تهديد كبراء قومه له ولمن آمن به واتّبعه ، بالقتل رجما بالحجارة ، إذا تابعوا الدّعوة في عامّتهم إلى الإيمان باللّه وبالدّين الّذي اصطفاه لعباده ، واكتفى في دعائه بقوله :
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 118 ) : الفتح : يطلق في اللّغة على النّصر ، ويطلق على الحكم والقضاء . ويظهر أنّ المراد بقول نوح عليه السّلام في دعائه لربّه :
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً
فاقض ربّ واحكم بيني وبين قومي ، منتصرا لأوليائك على أعدائك بما تشاء من فتح ، فقد وصل قومي إلى دركة لا مطمع بعدها في استجابتهم عن طريق إراداتهم الحرّة لدعوة الحق ، ولم يبق إلّا أن تفصل الحكم والقضاء المعجّل في الحياة الدّنيا بحكمتك بيني وبينهم . ولم يذكر نوح عليه السّلام في دعائه لربّه نوعا من أنواع الفتح الّذي سأله ربّه ، بل قال :
فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً ،
أي : فتحا ما بحكمتك وعلى مرادك . وربّما يكون مراده فتحا عظيما شاملا يناسب غلوّهم في العناد والكفر والتّكذيب ، ويناسب توعّدهم له بالقتل رجما بالحجارة .
معارج التفكر ودقائق التدبر — صفحة 654 | عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني