وهذا من أئمة مشركي مكّة إبّان التنزيل اعتراف منهم بعظمة القرآن وتفوّقه البيانيّ ، إلّا أنّه إدهان منهم ومصانعة ومخادعة ، إذ لم يستطيعوا أن يقولوا بشأنه كلاما فيه طعن أو تجريح أو نقد بعيب ، نظرا إلى أنّ جماهيرهم لا تقبل ذلك منهم .
وغرضهم من الأوصاف الّتي أطلقوها ، صرف جماهيرهم التابعين لهم ، عن الإيمان بكون القرآن تنزيلا من ربّ العالمين ، فمن لوازم هذه الإيمان الإيمن بأنّ محمّد بن عبد اللّه نبيّه ورسوله ، واتّباع الدّين الذي جاء به .
وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ
( 82 ) : أي : وتجعلون مقابل إنعام اللّه عليكم بالرّزق الّذي به استمرار حيواتكم أنّكم تكذّبون بكتاب ربّكم المعجز ، وبما جاء فيه من أنباء يوم الدين ، وتكذّبون رسول ربّكم الّذي يبلّغكم عنه ما يوحي به إليه ، وقد كان الواجب عليكم أن تشكروا ربّكم الرازق لكم بالتّصديق والإيمان والاتّباع ، والطّاعة بالعمل بما يأمركم به ، وباجتناب ما ينهاكم عنه .
ففي هذه الآية محذوفات يمكن استخراجها بالتأمّل : أي : وتجعلون مقابل رزق اللّه لكم أنّكم تكذّبون بكتابه ورسوله ، بدل أن تشكروه بالإيمان وبالعمل بما يرضيه .
قول اللّه عزّ وجلّ :
فَلَوْ لا إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ ( 83 ) وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنْظُرُونَ ( 84 ) وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُونَ ( 85 ) فَلَوْ لا إِنْ كُنْتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ ( 86 ) تَرْجِعُونَها إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 87 ) :
فَلَوْ لا
في الموضعين بمعنى : « فهلّا » للحضّ .
إِذا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ :
أي : إذا بلغت الرّوح الحلقوم عند نزعها من