كم اخترمت أيدي المنون من قرون بعد قرون ، وكم غيرت الأرض ببلاها ،
وغيبت في ثراها ممن عاشرت من صنوف الناس وشيعتهم إلى الأرماس ( 1 ) .
وأنت على الدنيا مكب منافس * لخطابها فيها حريص مكاثر
على خطر تمسي وتصبح لاهيا * أتدري بماذا لو عقلت تخاطر
وإن امرئ يسعى لدنياه جاهدا * ويذهل عن اخراه لا شك خاسر
فحتام على الدنيا إقبالك ، وبشهوتها اشتغالك ، وقد وحظك ( 2 ) القتير ، ووافاك
النذير ، وأنت عما يراد بك ساه ، وبلذة يومك لاه .
وفي ذكر هول الموت والقبر والبلى * عن اللهو واللذات للمرء زاجر
أبعد اقتراب الأربعين تربص * وشيب القذال منذ ذلك ذاعر
كأنك معني بما هو ضائر * لنفسك عمدا أو عن الرشد جائر
انظر إلى الأمم الماضية ، والقرون الفانية ، والملوك العاتية كيف انتسفتهم
الأيام فأفناهم الحمام ( 3 ) فامتحت من الدنيا آثارهم ، وبقيت فيها أخبارهم .
واضحوا رميما في التراب واقفرت * مجالس منهم عطلت ومقاصر
وحلوا بدار لا تزاور بينهم * وأنى لسكان القبور التزاور
فما إن ترى إلا جثى قد ثروا ( 4 ) بها * مسنمة تسفي عليها الأعاصر
كم عاينت من ذي عز وسلطان ، وجنود وأعوان ، تمكن من دنياه ، ونال منها
مناه ، فبنى الحصون والدساكر ( 5 ) ، وجمع الاعلاق والذخائر .
فما صرفت كف المنية إذ أتت * مبادرة تهوى إليه الذخائر
هامش
( 1 ) الرمس : القبر ، والجمع أرماس : راجع لسان العرب : مادة ( رمس ) : ج 5 ص 314 .
( 2 ) في المصدر : ( وخطك ) .
( 3 ) الحمام : قضاء الموت وقدره ( انظر لسان العرب : مادة ( حمم ) ج 3 ص 338 ) .
( 4 ) في المصدر : ( ثووا ) .
( 5 ) الدسكرة : بناء كالقصر حوله بيوت للأعاجم يكون فيها الشراب والملاهي ( انظر لسان
العرب مادة ( دسكر ) ج 4 ص 347 ) .