الحكم أمر زماني ولكنْ كانت حيثيّة الاستمرار الزماني فيه من ناحية الإطلاق ، وبعبارة أخرى : الحكم متوجّه إلى المتعلّق الذي له استمرار في الزمان ، وكان الزمان ظرفاً للمتعلَّق - لا مفرّداً للحكم - فلو كان للمتعلّق حكم في زمانٍ على خلاف حكم ذلك العامّ ، فإنه مع الشك بعد ذلك الزّمان لا يتمسّك بالعام ، فكيف يقول هنا بالتمسّك بالعمومات ؟
ولقد تعرّضنا لهذا المطلب في بحوثنا الاصوليّة ، ولنا فيه مسلك خاص ، توضيحه :
إنه لو قال : « أكرم العلماء » كان ظاهراً في إكرامهم في كلّ زمانٍ وبأنحاء الإكرام ، لكنّ هذه الأنحاء غير مأخوذة في اللّفظ ، بل هذا الاستمرار مستفاد من الإطلاق ، بخلاف ما لو قال : « أكرم العلماء في كلّ يوم » ، فإنّ الحكم متوجّه إلى أفراد الإكرام المتعدّدة بعد الأيّام ، فإكرام كلّ يوم متعلَّق للإيجاب ، فإنْ قال بعد القول المذكور : « لا تكرم زيداً العالم في يوم الجمعة » ، فقد أخرج يوم الجمعة وبقي وجوب إكرامه في سائر الأيّام ، لأنّ المفروض هو تعدّد الإكرام ، ولو شك في وجوب إكرامه في غير الجمعة ، تمسّك بالعام بلا كلام .
أمّا لو كان قوله : « لا تكرم زيداً العالم في يوم الجمعة » بعد قوله : « أكرم العلماء » وكان استمرار الإكرام من باب أنّ الزمان ظرف للإكرام ، فإنه لا يتمسّك بالعامّ لدى الشك في إكرامه عدا يوم الجمعة ، لأن قوله : « يوم الجمعة » ليس مخصّصاً للعموم الأزماني ، إذ المفروض أنْ لا عموم أزماني ، فلا محالة ، يكون « لا تكرم » مخصّصاً ل « العلماء » . فزيد يخرج من تحت العلماء يوم الجمعة ، ولا يتمسّك بوجوب الإكرام بالنسبة إلى يوم السّبت مثلًا ، بل يستصحب حكم يوم الجمعة .
هذا مسلك الشيخ رحمه اللَّه ، كما في التنبيه العاشر من تنبيهات
كتاب البيع — صفحة 343
مساهمون: السيد محمد هادي الميلاني
ص٣٤٣