2 - إنّ القول باستمرار هذا الاتّصال بالسماء هو نوع من الإفراط في النزعة الباطنية وتضييع للطاقات المادّية والفكرية .
ومقتضى الاعتدال أن نعترف بانقطاعه بعد الرسول محمّد صلى الله عليه وآله وسلم فإنّه المنطقة الوسطى بين إفراط الباطنيّة وتفريط المادّية .
ونظير هذه الدعوى ما يتبنّاه بعض العِلمانيين أو المتغرِّبين - من أدعياء الثقافة في بلاد الشرق - أنّ مفاد ختم النبوّة وسرّ نهاية الوحي الإلهيّ هو تطوّر البشريّة ورُقيّ الفكر الإنساني إلى مرحلة ( الاكتفاء الذاتي ) والاستغناء عن هداية السماء من خلال العقل والمنطق والتجارب المدروسة والحقائق العلميّة . وبالتالي فلا حاجة إلى وجود نبيّ آخر أو رابطٍ يرفد الناس بالعلم والمعرفة ، وليس لأنّ هذه الشريعة خالدة ما دام الإنسان ، ذلك لأنّها تركت الكثير من مساحات الفراغ ولم تُجِب على أبسط المسائل العلميّة التجريبيّة .
هذا ما ذكرته هاتان المقولتان ، وهما بجميع أشكالهما تتّفقان على الاستغناء عن هداية السماء ، غير أنّ الأخيرة تملك التصوّر على صعيد التنظير والتطبيق ، والأولى على صعيد التطبيق فحسب ، وإن كانت هي الأخرى تستدعي التنظير أيضاً .
وهما وان استخدمتا بريق المعاني المبهمة والألفاظ الرنّانة ، إلّاأنّهما واضحتا الوهن بيّنتا الخلل . فإنّ ابتعاد أكثر الناس عن السماء خلال قرون عديدة لم يثمر سوى ضياع الحقائق الدينيّة وتسافل القيم الخُلقية وانتشار الأوبئة الروحيّة وتضارب المصالح المادّية إلى أبعد الحدود ، حتّى صار الإنسان - المادّي - وحشاً ضارياً لا يتورّع حتّى عن افتراس أخيه الإنسان - وهي حالة نادرة في الوحوش الكاسرة - بل القتل الجماعيّ للبشر لمجرّد شهوة أو نزوة أو حسد أو غضب ،
بحوث في قراءة النص الديني تقريرا لأبحاث الشيخ محمد السند — صفحة 24
مساهمون: السيد عماد الحكيم
ص٢٤