الأمر فيقول :
( رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْساً فَأَخافُ أَنْ يَقْتُلُونِ )
( القصص : 33 ) ، يعني ربَّما لن أوفَّق لأداء تمام المسؤولية ، فإنَّه لا خوف شخصي كما مرَّ سابقاً ، بل إنَّ الخوف الذي ينتاب المصلحين الإلهيين والمنجين ، ليس خوفاً شخصياً من نزعة ذاتية وحبّ الذات وحبّ البقاء ، كيف وهم روّاد الشهود على البشرية ، كنماذج بشرية اصطفاها الله عز وجل للإصلاح ، وإنَّما خوف من عدم إتمام وإكمال البرنامج الإلهي ، وعدم التوفيق في الاضطلاع بأداء المهمّة الإلهية كالإصلاح والإنجاء للمستضعفين والمظلومين في الأرض ، وقلع الفساد الذي يتفشّى في أرجاء الأرض . نعم
( وَأَخِي هارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِساناً فَأَرْسِلْهُ مَعِي رِدْءاً يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ * قالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً فَلا يَصِلُونَ إِلَيْكُما
. . . ) ( القصص : 35 33 ) ، أنظروا قوله تعالى :
( وَنَجْعَلُ لَكُما سُلْطاناً )
، أي إنَّ الحراسة الإلهية والضمانة الإلهية للمصلحين والمُنجين موجودة ، في حين لا تواكل ولا جبر ولا تفويض ، وإنَّما أمر بين أمرين ، التوكّل يعني أن يقوم المصلح بأدواره ، ومن وراء ذلك الحراسة الإلهية ، والضمانة الإلهية موجودة .
ظاهرة اختفاء وغيبة الأنبياء عليهم السلام سُنّة إلهية :
بعد أن استكملنا ظاهرة النبيّ موسى عليه السلام باعتباره مصلحاً ومنجياً إلهياً وهادماً لعروش الفراعنة والظالمين وما رافق ذلك من خفاء ولادته عليه السلام وغيبته في فترة ترعرعه ونموّه ونشوئه ، ثمّ غيبته الثانية في بلاد مدين ، ثمّ قيامه بالإعلان والظهور للإصلاح وإنقاذ بني إسرائيل والبشرية من مخالب الظالمين والمفسدين ، نواجه هنا هذا السؤال ، وهو : هل ما جرى في ظاهرة النبيّ موسى عليه السلام المصلح المنجي الإلهي هو سُنّة إلهية دائمة ، أم حالة استثنائية خاصّة بالنبيّ موسى عليه السلام ؟