الخفاء والسرّية والستار ، فإنَّ موسى ترعرع في أحضانهم وبين أيديهم لكنَّهم لا يشعرون به ، فهي إذن غيبة خفاء ، غيبة هوية ، غيبة ستر وستار ، لا غيبة انعدام ومزايلة عن الحضور ، فلو فُسّرت الغيبة بمعناها الصحيح كما في غيبة النبيّ موسى فهو في مدين يستنبئ أنباءهم ، وربَّما يقرب من ذلك كيفية إيعازه لجملة من البرامج الإلهية في المجتمع الفرعوني ومجتمع بني إسرائيل والأقباط هناك ، فإذن ليست هي ابتعاد ومزايلة عن التأثير في ساحة الحدث ، بالعكس هو نوع من الخفاء والسرّية في العمل والنشاط فلا يكون هناك أيّ تقاطع أو أيّ تصادم بين الحجّية والمسؤولية التي توكل إلى ذلك الوليّ والحجّة من حجج الله ، بل يكون هناك تمام الملائمة وتمام النسق والتأثير المتبادل ، وستكون حينئذٍ مسؤولية الخفاء هي أفضل فرصة لقيام ذلك الحجّة بما يُعهد إليه من مسؤولية ومن برامج إصلاح وما شابه ذلك ، وسيكون الخفاء والغيبة أنشط لدوره ، وأكثر فاعلية وتأثيراً ، بخلاف ما لو فسَّرناها بأيّ معنى خاطئ ، وللأسف أنَّه قد استشرى هذا المعنى الخاطئ في أذهان الكثيرين ، وهو أنَّ معنى الغيبة النأي والمزايلة والابتعاد والجمود وعدم التصدّي للأحداث وتدبير الأمور ، وكيف يلائم هذا المعنى الخاطئ للغيبة الحجّة الفعلية للنبيّ موسى ؟ وهو من أولي العزم ، وحجّة لله ، وموعود بأنَّه هو المنتظر المصلح المنقذ للبشرية من الأنظمة الفرعونية ، فكيف يكون حينئذٍ معطّلًا ؟ ! فالتعابير القرآنية السابقة تظهر مجمل حركة النبيّ موسى قبل إعلان دعوته في العلن ، أنَّها كانت دوماً في حالة خفاء ، دخوله ، خروجه ، ترعرعه ، نشوؤه ، نموّه ، وهذا ليس من الأسطوريات ؟ ! حاشا لأفعال الله تعالى ولرسل الله تعالى عن ذلك ، وإنَّما هي في صلب خضم التدبير الإلهي الحكيم النافذ البالغ الحكمة ،
الإمام المهدى (ع) والظواهر القرآنية — صفحة 48
مساهمون: الشيخ محمد السند
ص٤٨