ذي القرنين :
( قالُوا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ )
( الكهف : 94 ) ، فها هو يردع الفساد ، الخليفة في الأرض والإمام كما مرَّ في سورة البقرة :
( إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً )
، هو سُنّة إلهية دائمة ،
( قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ )
( البقرة : 30 ) ، يعني الخليفة يصدّ ما اعترضت به الملائكة من أنَّه يحول بينه وبين الإفساد في الأرض ، فيكون سدّاً حائلًا عن قطع النسل البشري ، فذو القرنين الذي هو خليفة في الأرض يخوض في المجتمعات لقطع مادة الفساد في الأرض ،
( قالَ ما مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ )
، مع كون ذي القرنين أوتي الأسباب اللدنّية من الله والتمكين في الأرض ، مع ذلك يقول :
( فَأَعِينُونِي )
، فأعينوني بماذا ؟
( بِقُوَّةٍ )
، ويقول :
( آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ )
، ويقول :
( انْفُخُوا )
، ويقول :
( آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً )
، ماذا يدلُّ استمداد العون من البشر ؟ هذا المطلب يدلُّ بوضوح على أنَّ من يجعله الله إماماً للناس من قبله وخليفة في الأرض لا يعني ذلك أنَّه جبر ( كن فيكون ) في إصلاح الأرض وإقامة الإصلاح ودرء الفساد ، ولا هو تفويض للناس ، وإنَّما هي نفس نظرية القرآن ( أمر بين أمرين ) في الإصلاح الاجتماعي وفي حكومة المجتمع ، فليست الحكومة الإلهية على البشر ، والحكومة السياسية الإلهية الدينية على البشر جبراً وإلجاءاً ، ولا تفويضاً للبشر ، ولا استبداداً إلهياً ، ولا هو تفويض مطلق بشيء ، إنَّما هو طريق وسط في رائعة التصوير الإمتحاني ، وهي صورة ذات جمال خلّاب تحافظ على إرادة البشرية في الحركة الحيوية ، وتحافظ على عناية السماء وهداية السماء ولطفها بالبشر في نظرية الاختيار والامتحان في الإصلاح وإقامة الحكم السياسي ، وهذه هي نظرية وعقيدة مدرسة أهل البيت ، عقدية أصلية من متن القرآن الكريم .