وصف بالملك العظيم إذا كان كلّ درجات الملائكة وكلّ مقامات الملائكة طوّعت وأخضِعَت وأمرت بالانقياد والمتابعة لخليفة الله في الأرض ، فلا ريب من أنَّ هذا مُلك عظيم يتجاوز مُلك وقدرات البشر ، وحتَّى في سورة الكهف وفي سبع سور قرآنية أنَّ الخليفة من صلاحياته وقدراته وسلطته وسطوته طوعانية وإطاعة جميع الملائكة له كحكومة ملكوتية .
قد يقول القائل : إذا كان الإمام والخليفة عنده هذه القدرة ، فلماذا لا يصلح الأرض في ليلة وضحاها ؟ هذا ما يقوله الكثيرون ممَّن يسترخصون الفكر ويسترخصون الكلام ويحبّون المشاغبة بأيّ إثارة ولو كانت رخيصة أو خاوية ، وهذا السؤال لا يوجّه لقضيّة الإمام المهدي فقط ، بل يوجّه للنبيّ إبراهيم حيث كان إماماً من قبل الله ، فلماذا لم يسحق نمرود بالملائكة ، فيأتي جناح جبرائيل فيجعل سافلها عاليها ؟ وهذا حينئذٍ يكون خلاف البرنامج الإلهي من امتحان البشر ، وخلاف الحكمة الإلهية لامتحان البشر ، فلا تفويض للبشر لجعل زمام أمورهم بيدهم ، ولا جبر ، وإنَّما أمر بين أمرين ، فلو كان قسراً وإلجاءً إلى الله في كلّ الأمور لكان جبراً ، وبذلك تبطل حكمة الامتحان والاختيار ، ولو كان انعزالٌ للإرادة الإلهية في التنفيذ أو انعزالٌ للحاكمية الإلهية في التنفيذ ، لكان نفوذاً للبشر وتفويضاً باطلًا ، فنحن لا نقرأ بطلان التفويض على صعيد الفعل الفردي فقط ، بل نقرأ بطلان نظرية التفويض على صعيد النظام الاجتماعي والنظام السياسي والنظام البشري ، فليس البشر مفوّضين إلى أمرهم أو موكّلين إلى إرادتهم البشرية ، ولا مجبرين بالقسر ، وإنَّما أمر بين أمرين ، إرادة بشرية وإرادة إلهية تمتزجان وبالتالي
الإمام المهدى (ع) والظواهر القرآنية — صفحة 151
مساهمون: الشيخ محمد السند
ص١٥١