أوّلًا : ما تقدم من أنّه لا انحسار لحضور المعصوم عن النظام الاجتماعي السياسي ، ففرضُ خلوّ مقامه كي يقوم آخر مقامه منتفٍ من الأصل وهذا غير النيابة وفرضية الأيدي والأذرع له كما سيتضح .
ثانياً : أن الأدلّة القائمة على ضرورة بعثة الأنبياء والأئمّة عليهم السلام قائمة على ضرورة مقاماتهم والّتي من عمدتها أنهم السبب المتصل بين الأرض والسماء ، أي مَن تتنزّل عليه المشيئة والإرادة الإلهيّة ومَن يتنزّل عليه الأمر في ليلة القدر وتدبير كلّ شيء وشأن ويحيط بمواقع القرآن الغيبية ، كأمّ الكتاب واللوح المحفوظ ولوح المحو والإثبات والإخبار عن أحوال البرزخ والآخرة وتفاصيلها والأعمال المرتبطة بالآثار فيها والرافع لمتشابه القرآن بمحكمه بتوسط إحاطته بأمّ الكتاب .
وأمّ الكتاب - الّتي هي المحكمات كما في سورة آل عمران - هي وجود غيبي أيضاً كما في سورة الرعد . وأين هذا من قائم مقامه ؟ وهل يتمكّن غير المعصوم من ذلك ؟ وهل تتمّ هداية السماء بغير مَن هو متصل بالغيب ولديه عصمة علمية ونور وبرهان من ربّه ؟
ثالثاً : إنّ الضرورة القائمة لنصب النبيّ والإمام في بُعد إدارة البشر وتدبير أمور المعاش والقيادة السياسيّة للنظام الاجتماعي البشري ، هذه الضرورة غير خاصّة بالبلاد الإسلامية ، بل هي عامّة لكلّ الكيان البشري والظاهر من هذه الضرورة ليس كما في بعض صور الأدلّة المذكورة على علّة بعث الأنبياء والأئمّة من أنها ضرورية نظرية ، بل هي ضرورة وقوعية أشبه بالضرورة التكوينية كما يشير إلى ذلك قوله تعالى : (
إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ )
حيث تشير الآية - كما مرّ - إلى أن دفع الفساد الغالب وممانعة سفك الدماء لا يتحقّق إلّابالخليفة ، وأنّه هو الّذي به الضمانة للحيلولة دون ذلك .
فالآية تنبّه على ضرورة في بقاء حياة الطبيعة البشريّة وبقاء الحياة الاجتماعيّة