ينزه الباري عن ملابسة المادة ، وعن المباشرة كمباشرة الروح ، بأن يتصور أن إسناد الفعل للباري على ضوء ذلك هو عن بعد ، فإن البعد والقرب في إسناد الأفعال ليس بمباشرة المادة وعدمها ، ولا بملابسات الروح ، ولا بالبعد والقرب الجغرافي والجسماني ، بل إنما هو بسيطرة القدرة ونفوذ القوة وهيمنة السلطان ، فإن كل شيء قائم به .
فهذه القاعدة لا يقتصر في مراعاتها كقاعدة أسسها أهل البيت عليهم السلام وكشفوا عنها ، وتلقتها سائر المدارس الكلامية بالقبول - لسانا وشعارا لكنهم أخفقوا في تطبيقها في مجالات عديدة من مسائل العقيدة ، فلربما ترى بعض المدارس تراعي تلك القاعدة في تنظير معرفة التوحيد في مقام الذات لكنها تخفق في مراعاتها في تنظير التوحيد في مقام الصفات أو مقام الأفعال ، بل قد وقع في ورطة الإخفاق في مراعاة القاعدة في المقامين الآخرين جملة من المدارس الإسلامية في مقام دون مقام ؛ لأن أهل البيت عليهم السلام قد شددوا في مراعاتها في كل المقامات ، فترى المدارس الإسلامية الأخرى قد جعلت جملة من الصفات الفعلية للباري تعالى من منزلة ومقام الصفات الذاتية ، فوقعت في التشبيه كما في قوله تعالى :
« أَ وَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينا أَنْعاماً فَهُمْ لَها مالِكُونَ »
« 1 »
فجعلوا الأيدي هاهنا من الصفات الذاتية مع أنها من صفات الفعل .
وكذلك قوله تعالى :
« وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنا وَوَحْيِنا وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ »
« 2 »
وقوله تعالى :
« وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلى عَيْنِي »
« 3 »
هامش
( 1 ) سورة يس ( 71 ) .
( 2 ) سورة هود ( 37 ) .
( 3 ) سورة طه ( 39 ) .