وفيه : منع ذلك بشهادة عدّة من صنّاع الخلّ وذكروا انه بمجرد النشيش وظهور الحموضة يبقى امكان تحويل العصير إلى الدبس ، نعم ذكروا انه إذا طبخ قبل النشيش تكون حلاوة الغليظ الدبسي المتبقي أشد حلاوة وأجود طعما ، وانه كلما تأخّر طبخه عن النشيش مدة أطول كلما قلّت حلاوة الدبس المصنوع بذهاب الثلثين .
وهذا التأخير والمدة إذ طالتا كثيرا تصل إلى حدّ بعد ذلك يوجب عدم حلاوة العصير إذا طبخ وثخن وغلظ فيصير كهيئة الدبس لكن من دون حلاوة بتاتا ، وهذا بخلاف الخمر والخل فإنه كلما طبخا فإنهما لا يثخنان ولا يغلظان ، وهذا إذا كان مكثه في معرض الهواء وأما إذا عزل عن الهواء بأن سدّ رأس الظرف الذي يوضع فيه ، أوكان الجدار الداخلي للظرف مطليا بمادة مساعدة ، أووضع فيه العكرة ونحو ذلك فإنه يسرع نشيشه ويشتد بمدة اقصر ، فتفسد مادة الحلاوة كلها فيه في وقت اسرع فهذه أسباب مختلفة للاسراع في غليانه بنفسه وفي اشتداد تغيره .
والمحصل من ذلك ان مجرد الغليان بنفسه لا يصيّر العصير العنبي خمرا بل يحتاج مع ذلك إلى طول مكث أوأسباب كيفية أخرى لتحوّله إلى مادة مسكرة بنحو متكامل ، نعم قد تقدم في الوجه الثاني من القول الأول ان ظهور المادة المسكرة المستحيلة من مادة الحلاوة في العصير هو تدريجي وذلك معنى ما يقال إن حرمة العصير المغلي حريم للخمرة ، الا انه تقدم أيضا ان ذلك المقدار من الظهور لا يدرج العصير المغلي في ماهية الخمر والمسكر كي يحرم وينجس مطلقا ولو طبخ وصار دبسا .
الوجه الثاني ان الروايات المتضمنة لحرمة العصير المطبوخ كلها مغيّات بذهاب الثلثين ، فلم يرد التحديد المزبور إلا في فرض فيه لفظ
بحوث في القواعد الفقهية — صفحة 199
مساهمون: الشيخ محمد السند
ص١٩٩