التوسّل مُفيداً أم لا ، لا كونه مُنافياً للتوحيد ومُتلائماً مع الشرك ، وتوضيح ذلك أنّ الطلب من غير اللَّه إن كان شركاً فلا فرق أن يكون في حياته أو بعد مماته . نعم يمكن أن يدّعي أحد أنّه مفيد ومجدٍ في حال الحياة وغير مفيد ولا مجدٍ بعد الوفاة لكون المدعوّ ميّتاً ، وهذا أمر آخر غير التوحيد والشرك .
وستعرف عند البحث عن حياة الأنبياء وإمكان الاتصال بهم ، أنّه من التوسّلات المفيدة ، إذ المفروض أنّهم أحياء ، والمفروض أنّهم يسمعون كلامنا حسب ما يأتي من الروايات ، وعلى ضوء ما ذُكر فلا مانع من هذا النوع من التوسّل ، وأمّا إجابتهم ، فهو موقوف على توفّر شروط الإجابة كما هو الحال في طلب الدعاء في حال حياتهم ، ويدل لفيف من الروايات على وقوع هذا النوع من الدعاء والطلب من النبيّ الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم بعد وفاته ، ونحن نكتفي بروايتين :
1 - ما رواه ابن عساكر في تاريخه وابن الجوزيّ في « مُثير الغرام الساكن » وغيرهما بأسانيدهم إلى محمّد بن حرب الهلالي قال : دخلت المدينة فأتيت قبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فزرته وجلست بحذائه وجاء اعرابيٌ فزاره ثمّ قال : يا خيرَ الرسل إنَّ اللَّه أنزل عليك كتاباً صادقاً قال فيه :
« وَلَوْ أَنَّهمُ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ الرَسُولُ لَوَجَدُوا للَّهَ تَوّاباً رَحِيماً » وإنّي جئتك مُستغفراً ربَّك من ذنوبي مُتشفّعاً بِكَ ( وفي رواية : وقد جئتك مُستغفراً من ذنبي مُستشفعاً بك ) إلى ربّي ، ثمّ بكى وأنشأ يقول :
يا خير من دُفنت بالقاع أعظُمهُ * فطابَ من طِيبهنَّ القاعُ والأكمُ
نفسي الفداءُ لِقبرٍ أنت ساكنُه * فيه العفافُ وفيهِ الجودُ والكَرَمُ
ثمّ استغفر وانصرف « 1 » .
وقد رواه غير محمّد بن حرب .
2 - ما رواه البيهقيّ عن مالك قال : أصاب الناس قحط في زمان عمر ابن الخطاب ، فجاء رجلٌ إلى قبر النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم فقال : يا رسول اللَّه ، استسق اللَّهَ لأُمّتك فإنّهم قد هَلَكوا ، فأتاه رسول اللَّه في المنام ، وقال : إئت عمر فأقرئه
هامش
( 1 ) . وفاء الوفا 4 : 1361 .