غاية الأمر قدرة المكره على التفصّي عنه بإيقاع الصّورة من دون إرادة المعنى ، لكنّه غير المكره عليه وحيث إنّ الأخبار خالية عن اعتبار العجز عن التفصّي بهذا الوجه ، لم يعتبر ذلك في حكم الإكراه . وهذا بخلاف الكذب ، فإنّه لم يسوّغ إلّاعند الاضطرار إليه ، ولا اضطرار مع القدرة .
نعم ، لو كان الإكراه من أفراد الاضطرار - بأن كان المعتبر في تحقّق موضوعه عرفاً أو لغةً العجز عن التفصّي كما ادّعاه بعض ، أو قلنا باختصاص رفع حكمه بصورة الاضطرار ، بأن كان عدم ترتّب الأثر على المكره عليه من حيث إنّه مضطر إليه لدفع الضّرر المتوعّد عليه به عن النّفس والمال - كان ينبغي فيه اعتبار العجز عن التّورية ، لعدم الاضطرار مع القدرة عليها .
والحاصل : أنّ المكره إذا قصد المعنى مع التمكّن من التّورية ، صدق على ما أوقع أنّه مكره عليه ، فيدخل في عموم « رُفع ما اكرهوا عليه » . وأمّا المضطّر ، فإذا كذب مع القدرة على التّورية ، لم يصدق أنّه مضطّر إليه ، فلا يدخل في عموم « رُفع ما اضطّروا إليه » . هذا كلّه على مذاق المشهور من انحصار جواز الكذب بصورة الاضطرار إليه حتّى من جهة العجز عن التّورية ، وأمّا على ما استظهرناه من الأخبار
شرح
حكومة لحديث الرفع « 1 » ، وهذا بخلاف الحلف أو الإخبار كذباً ، فإنّه جائز في مورد دفع الضرر حتى مع إمكان التورية أو إمكان التفصّي بغيرها ، لما تقدّم من دلالة الروايات الخاصّة على هذا الجواز . ويترتّب على ذلك أنّه لو أراد الذهاب إلى بلد يكون له طريقان ، وعلم أنّه لو سلك الطريق الفلاني يتعرّض له الجائر ، فلابدّ في التخلص عن ضرره من الحلف كذباً ، دون ما إذا سلك الطريق الآخر فلا يتعرّض له ، فإنّه يجوز سلوك الطريق الأوّل والحلف له كذباً ، وما في كلام المصنّف رحمه الله - من اعتبار العجز عن
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة 15 : 369 - 370 ، الباب 56 من أبواب جهاد النفس ، الحديث 1 و 3 .