واعلم ، أنّي سمعت أبي يحدّث عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه السلام : « أنّ رسول اللَّه صلى الله عليه وآله قال يوماً لأصحابه : ما آمن باللَّه واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره جائع ، فقلنا : هلكنا يا رسول اللَّه ، فقال : من فضل طعامكم ، ومن فضل تمركم ورزقكم وخَلِقكم وخِرَقكم تطفئون بها غضب الربّ تعالى » . وسأنبئك بهوان الدّنيا وهوان شرفها على من مضى من السّلف والتّابعين ، فقد حدّثني أبي ، محمد بن علي بن الحسين عليهم السلام ، قال : « لمّا تجهّز الحسين عليه السلام إلى الكوفة أتاه ابن عباس فناشده اللَّه والرّحم أن يكون هو المقتول بالطفّ ، فقال : أنا أعرف بمصرعي منك ، وما وَكُدِي من الدّنيا إلّافراقها ، ألا أخبرك يا بن عباس بحديث أمير المؤمنين عليه السلام والدّنيا ؟
فقال له : بلى لعمري إنّي احبّ أن تحدّثني بأمرها . فقال أبي : قال علي بن الحسين عليه السلام : سمعت أبا عبداللَّه الحسين عليه السلام يقول : حدّثني أمير المؤمنين عليه السلام ، قال : إنّي كنت بفدك في بعض حيطانها وقد صارت لفاطمة عليها السلام ، فإذا أنا بامرأة قد قَحَمَتْ عليّ وفي يدي مسحاة وأنا أعمل بها ، فلمّا نظرت إليها طار قلبي ممّا تداخلني من جمالها ، فشبّهتها ببثينة بنت عامر الجمحي وكانت من أجمل نساء قريش . فقالت : يا بن أبي طالب ، هل لك أن تتزوّج بي فأغنيك عن هذه المسحاة ، وأدلّك على خزائن الأرض فيكون لك الملك ما بقيت ولعقبك من بعدك ؟ فقال لها :
من أنتِ حتّى أخطبك من أهلك ؟ فقالت : أنا الدّنيا .
قال : قلت لها : فارجعي واطلبي زوجاً غيري فلستِ من شأني ، فأقبلت على مسحاتي وأنشأت أقول :
لقد خاب من غرّته دنيا دنيّة * وما هي أن غرّت قروناً بنائل [ بطائل ]
أتتنا على زيّ العزيز بثينة * وزينتها في مثل تلك الشّمائل
فقلت لها : غرّي سواي فإنّني * عزوف عن الدّنيا ولست بجاهل
وما أنا والدّنيا فإنّ محمداً * أحلّ صريعاً بين تلك الجنادل