وأمّا الارتزاق من بيت المال ، فلا إشكال في جوازه للقاضي مع حاجته ، بل مطلقاً إذا رأى الإمام المصلحة فيه ، لما سيجيء من الأخبار الواردة في مصارف الأراضي الخراجية .
ويدلّ عليه ما كتبه أمير المؤمنين عليه السلام إلى مالك الأشتر من قوله عليه السلام : « وافسح له - أي للقاضي - في البذل ما يزيح علّته وتقلّ معه حاجته إلى النّاس » . ولا فرق بين أن يأخذ الرّزق من السّلطان العادل ، أو من الجائر ، لما سيجيء من حلّية بيت المال لأهله ولو خرج من يد الجائر . وأمّا ما تقدّم في صحيحة ابن سنان ، من المنع من أخذ الرّزق من السّلطان ، فقد عرفت الحال فيه .
وأمّا الهديّة [ 1 ] وهي ما يبذله على وجه الهبة ليورث المودّة الموجبة للحكم له حقاً كان أو باطلًا وإن لم يقصد المبذول له الحكم إلّابالحق ، إذا عرف - ولو من القرائن - أنّ الأوّل قصد الحكم له على كلّ تقدير ، فيكون الفرق بينها وبين الرّشوة :
أنّ الرّشوة تبذل لأجل الحكم ، والهديّة تبذل لإيراث الحب المحرّك له على الحكم على وفق مطلبه فالظّاهر حرمتها ، لأنّها رشوة أو بحكمها بتنقيح المناط .
شرح
والأجر على القضاء أو ما هو من شؤونه ، بلا فرق بين حاجة القاضي وعدمها وتعيّن القضاء عليه وعدمه ، ويتعدّى إلى أخذ الجعل والأجر على الإفتاء وبيان الأحكام الشرعيّة الكليّة باعتبار عدم احتمال الفرق بينهما في ذلك .
[ 1 ] قد ذكرنا دلالة الآية المباركة على عدم جواز إعطاء المال للحكام والقضاة لغاية أكل أموال الناس ، بلا فرق بين أن يكون هذا الأكل غرضاً أوليّاً أو كان الغرض الأوّلي جلب مودّة الحاكم ومحبّته إليه حتى يحكم له ، وكما أنّ الإعطاء على المعطي والأخذ على الحاكم في الأوّل حرام وسحت ، كذلك في الفرض الثاني ، حيث إنّ النهي - عن إيصال المال إلى الحاكم وسيلة إلى أكل أموال الناس في الآية المباركة -