وإمّا لأنّ المشارطة في مثل هذه الأُمور لا يليق بشأن كثير من الأشخاص ، لأنّ المماكسة فيها خلاف المروءة ، والمسامحة فيها قد لا تكون مصلحة ، لكثرة طمع هذه الأصناف ، فامروا بترك المشارطة والإقدام على العمل بأقل ما يعطى وقبوله .
وترك مطالبة الزّائد مستحبّ للعامل ، وإن وجب على من عُمل له إيفاء تمام ما يستحقّه من أجرة المثل ، فهو مكلّف وجوباً بالإيفاء ، والعامل مكلّف ندباً بالسّكوت وترك المطالبة ، خصوصاً على ما يعتاده هؤلاء من سوء الاقتضاء .
أو لأنّ الأولى في حقّ العامل قصد التبرّع بالعمل ، وقبول ما يعطى على وجه التبرّع أيضاً ، فلا ينافي ذلك ما ورد من قوله عليه السلام : « لا تستعملنّ أجيراً حتّى تقاطعه » .
شرح
الثالث : أنّ الراجح في حقّها ترك الأجرة والعمل للناس تبرّعاً ، وقبول ما يعطى لها تبرّعاً ، وعلى ذلك فلا يكون لها حقّ المطالبة فيما إذا لم تعط عوضاً ، والفرق بين هذا الوجه وسابقيه أنّ هذا الوجه لا ينافي ما ورد من قوله : فلا يستعملنّ أجيراً حتى تقاطعه ، كما في بعض الروايات « 1 » ، بخلاف الأوّلين فإنّهما ينافيانه ، فلابدّ من رفع اليد عن إطلاق ذلك النهي . كما أنّ هذا الوجه لا يناسب ظاهر المرسلة ، فإنّ مدلولها نفي البأس عن كسب الماشطة ، وكسبها عملها بالأجرة ، وإلّا لم يكن عملها كسباً ، كما لا يكون ما يعطى لها اجرة ، وما ذكره رحمه الله - في الوجه الأوّل ، من قوله : « وهذا لا يخلو عن شبهة » - ضعيف ، فإنّ المحرّم وضعاً أخذ المال وتملّكه بإكراه مالكه ، وأمّا مع عدم الإكراه فلا مانع من أخذه .
وما يقال من أنّ المأخوذ حياءً كالمأخوذ غصباً لا شاهد له ، فإنّ الرضا المعتبر في المعاملات هو عدم الإكراه لا طيب النفس واقعاً ، وإلّا لاتّجه الحكم بفسادها في موارد الاضطرار إليها أو مورد الاستحياء ، كما إذا اشترى متاعاً بثمن زائد حياءً من أصدقائه
هامش
( 1 ) وسائل الشيعة 19 : 104 ، الباب 3 من كتاب الإجارة .