ثم إنّ أولويّة قبول ما يعطى وعدم مطالبة الزّائد : إمّا لأنّ الغالب عدم نقص ما تُعطى عن اجرة مثل العمل ، إلّاأنّ مثل الماشطة والحجّام والختّان - ونحوهم - كثيراً ما يتوقّعون أزيد ممّا يستحقّون - خصوصاً من أُولي المروءة والثروة - .
وربّما يبادرون إلى هتك العرض إذا منعوا ، ولا يُعطون ما يتوقّعون من الزّيادة - أو بعضه - إلّااستحياءً وصيانةً للعرض .
وهذا لا يخلو عن شبهة ، فامروا في الشّريعة بالقناعة بما يعطون وترك مطالبة الزّائد ، فلا ينافي ذلك جواز مطالبة الزّائد والامتناع عن قبول ما يُعطى إذا اتّفق كونه دون أجرة المثل .
شرح
أقول : هذا إذا كان ترك المناقشة في اجرتها بعد عملها شرطاً في ارتفاع الكراهة بنحو الشرط المقارن ، وأمّا إذا اخذ بنحو الشرط المتأخّر فلا محذور .
ثم إنّ المصنف رحمه الله ذكر في وجه استحباب ترك المشارطة احتمالات ثلاثة :
الأوّل : أن ما يعطى لها لا يكون في الغالب أقلّ من أجرة المثل ، فتكلّمها في اجرتها - قبل عملها أو بعده - باعتبار توقّعها ممّن تعمل له الزيادة على تلك الأجرة .
وربّما تعطى لها صيانة للعرض أو حياء ، والمأخوذ كذلك لا يخلو عن شبهة ، فامرت بالقناعة على المقدار المعطى لها وترك مطالبة الزائد ، وهذا الأمر لا ينافي امتناعها عن قبول المعطاة فيما إذا كانت أقلّ من أجرة المثل .
الثاني : أنّ مناقشة مثلها في اجرة عملها لا يناسب المروّة وشرف الأشخاص ، فإنّ مما كستهم في إعطاء ما تتوقّع مثلها ربّما لا تناسب المروّة ، والمسامحة لا تكون صلاحاً باعتبار زيادة مقدار توقّعها ، فالّذي تعمل له مكلّف وجوباً بأداء أجرة المثل ، وهي مكلّفة ندباً بقبول ما تعطى وإن كان أقلّ من اجرة مثلها على الوجه الثاني ، لا على الوجه الأوّل .