شرح
المال بالمعاملة الغبنية أكلًا له بالباطل . ولازم ذلك البناء على بطلان المعاملة المذكورة ، لا ثبوت الخيار فيها مع صحتها ، كما هو المدعى .
نعم قد يدعى حينئذ صحتها برضا المغبون بالمعاملة ، لخروج أكل المال به عن كونه أكلًا بالباطل . نظير صحة بيع المكره والفضولي بالإجازة . وهو غير المدعى .
وثانياً : أن عموم حرمة أكل المال بالباطل قضية ارتكازية آبية عن التخصيص عرفاً ، فلا مجال لدعوى خروج ما قبل ظهور الخدع عن العموم المذكور بالإجماع . بل لو تم الإجماع كشف عن خلل في الاستدلال بالعموم المذكور .
وثالثاً : أنه لو سلم بدواً صدق الأكل بالباطل عرفاً في المورد المذكور ، إلا أن المضمون المذكور وإن ورد مطلقاً في الآية الشريفة المتقدمة التي هي في سورة البقرة ، إلا أنه ورد أيضاً في سورة النساء في قوله تعالى : ( ( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم ) ) « 1 » .
ومقتضى المقابلة في الآية الثانية بين الأكل بالباطل والتجارة عن تراض كون أكل المال بالتجارة عن تراض على إطلاقه ليس أكلًا للمال بالباطل ، وأن الأكل بالباطل لا يشمل صورة التجارة عن تراض .
نظير ما لو قيل : لا يحسن بالإنسان أن يعبث في إنفاق ماله ، ويحسن منه أن ينفق ماله لإرضاء أبويه . حيث يكون مقتضاه أن إنفاق المال لإرضاء الأبوين خارج عن العبث من جهة المنفق مطلقاً وإن كانت دواعي الإنفاق من الأبوين عبثية مثلًا .
وحينئذ تصلح الآية الثانية لشرح أكل المال بالباطل ، وبيان قصوره عن صورة التجارة عن تراض حتى في الآية الأولى . ولا سيما مع تطبيقه فيها على الرشوة للحكام أو غصب أموال الناس بسببهم .
وحيث سبق صدق التجارة عن تراض في المقام بلحاظ حصول الرضا الفعلي فيه تعين قصوراً أكل المال بالباطل عنه وبذلك تكون الآية الثانية رادعة عن تطبيق
هامش
( 1 ) سورة النساء الآية : 29 .