شرح
وهو عدم مشروعية الفعل إلا إذا وقع مجاناً ، حيث يمكن أن يحرز ذلك الواجب والمستحب معاً .
قلت : كما يمنع الوجوب ارتكازاً من التكسب بالواجب ، كذلك يمنع قصد الامتثال بالفعل من التكسب به ، من دون فرق بين كون الآمر هو الشارع وغيره ، فكل مأمور بشيء من قبل الشارع أو السلطان أو الأب أو غيرهم لا يستطيع الإتيان به امتثالًا للأمر - بحيث يكون فعله محسوباً على الآمر ، ومتقرباً به إليه - إذا كان قد أتى به متكسباً به بإجارة أو جعالة أو غيرهما ، بحيث يكون العمل لباذل المال ، وفي مقابل ماله .
إن قلت : إن كان المنع بسبب منافاة قصد أخذ الأجرة للتقرب المعتبر في العبادة فمن المعلوم أن قصد الدواعي غير القربية إنما ينافي التقرب المعتبر في العبادة إذا لم يكن الداعي القربى صالحاً للداعوية استقلالًا ، أما مع صلوحه للداعوية استقلالًا فانضمام غيره من القصود لا يمنع من مقربيته بالنحو المعتبر فيها .
مضافاً إلى أن التكسب بالعمل إنما يتوقف على قصد أخذ الأجرة عليه ، إذا كان موضوع التكسب هو العمل الكلي - كما في الجعالة وبعض أقسام الإجارة - حيث لا ينطبق على فعل المكلف الخارجي الذي يكون مورداً للتقرب إلا إذا جاء به بقصد تحقيق العمل الكلي المذكور المستلزم لنية استحقاق الأجرة به . بخلاف ما إذا كان موضوع الإجارة هو عمل المكلف الخارجي ، كما لو استأجره على أن تكون له منفعته يوم الجمعة ، فإن المستأجر عليه ينطبق على فعل المكلف حينئذٍ قهراً عليه ولو لم ينو به الوفاء بالإجارة واستحقاق الأجرة .
قلت : مانعية التكسب من قصد الامتثال والتقرب ليست بلحاظ مانعية قصد الأجرة من التقرب ، ليجري ما سبق ، فإن ذلك لا يختص بالأجرة التي هي محل الكلام ، بل يجري في كل نفع يترتب على العمل ويصلح أن يكون داعياً له ، كما لو علم المتقرب بأن شخصاً ما سوف يدفع له جائزة على عمله تشجيعاً له من دون أن تكون