شرح
إلا للاختلاف في لزوم امتثال الأمر ، فالشارع الأقدس حيث لا يرى لزوم امتثال أمر السلطان الجائر لا يستنكر التكسب بما يأمر به . كما أن العرف ، إذا لم يدرك لزوم امتثال الأمر الشرعي لا يستنكر التكسب بما يأمر به .
ولذا لا يظن بأحد التوقف في حرمة أكل المال في مقابل تسليم الأعيان المملوكة لأصحابها ، أو في مقابل وفاء الديون التي انشغلت بها الذمم ، مع أنه سبق في جواب الوجه الأول أن المملوك للغير هو الأعيان الخارجية أو الذمية بنفسها ، وليس تسليمها إلا واجباً تكليفاً ، لمنافاته لسلطنتهم عليها .
وكذا الحال في بقية الواجبات التوصلية كالإنفاق على من يجب الإنفاق عليه ، وتجنب عقوق الوالدين وقطيعة الرحم ، ورد السلام ، والوفاء باليمين والعهد حتى لو تعلق بالغير كما لو حلف أو عاهد الله تعالى أن يعطي زيداً ديناراً ، حيث لا مجال لدعوى استحقاق زيد على الحالف أو المعاهد شيئاً ، فضلًا عن ملكيته له . كما لا مجال لدعوى ملكية الله تعالى العمل فيهما ، وإن قيل بذلك في النذر . ومع ذلك لا مجال لأخذ المال في مقابل ذلك . وأظهر من ذلك الواجبات التعبدية كالصلاة والصيام والحج وغيرها .
وأما ما يظهر من سيدنا المصنف ( قدس سره ) وغيره من أن امتناع التكسب بالواجبات المذكورة إنما هو لثبوت عدم مشروعيتها إلا إذا أتى بها المكلف بها عن نفسه مجاناً .
فيندفع بأنه لا منشأ لثبوت عدم مشروعيتها حينئذٍ بعد إطلاق أدلتها ، إلا ما ذكرنا من استنكار التكسب بها ارتكازاً بعد وجوبها ، الموجب لكون أكل المال في مقابلها أكلًا له بالباطل . ولذا لا يتوقف المتشرعة بمرتكزاتهم من منع التكسب بالواجبات التعبدية وغيرها على ثبوت عدم مشروعية التكسب بها من دليل خاص .
إن قلت : لو كان المنع من التكسب بالواجبات لوجوبها لاختص المنع بها ، ولم يجر في المستحبات ، كالنوافل الرواتب ، مع أنه لا إشكال في عدم جواز التكسب بها أيضاً . وما ذلك إلا لكون منشأ المنع من التكسب أمراً آخر غير الوجوب ،