الفصل الأول : في حقيقتهما وشروط وجوبهما
يجب على المؤمن بالنسبة للمعروف والمنكر موقفان مترتبان طبعاً :
الأول : الموقف النفسي ، وهو الانس بالمعروف والانسجام معه والانزعاج من المنكر والرفض له نفسياً . وهو المراد بإنكار المنكر بالقلب . وهو واجب على كل أحد ، ولا يتوقف وجوبه على شيء إلا العلم بالمعروف والمنكر ، حيث لا يحتاج إلى مؤنة بعد ذلك ، ومن ثَم كان من لوازم كمال الإيمان التي لا تفارقه ، بل هو روح الإيمان بالدين وجوهره . ويترتب عليه أن المؤمن إن صدرت منه الحسنة سرّته وأنس بها ، وإن صدرت منه السيئة ساءته وندم عليها وأنب نفسه ، وعلى هذا ورد عن النبي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) والأئمة ( عليهم السلام ) قولهم
: « من سرّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن » .
وكذا إذا صدرت الحسنة من غيره فهو يأنس بها ويبارك له ، وإن صدرت السيئة من غيره أنكرها في نفسه وأنكر عمله ، وعلى هذا ورد عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) قوله :
« إنما يجمع الناس الرضا والسخط ، فمن رضي أمراً فقد دخل فيه ومن سخطه فقد خرج منه » .
واللازم على المؤمن شدة الاهتمام بهذه الجهة والحذر من التفريط فيها ، فإن كثرة وقوع المعاصي والفتها والتعوّد عليها قد توجب خفّة الاستياء منها والغضب لها ، حتى يغفل المؤمن عن قبحها ويأنس بها تدريجاً ، كما أن قلة المعروف وندرته قد توجب إنكاره والنفرة منه ، فيصير المعروف منكراً والمنكر معروفاً كما تقدم في الحديث الشريف .