كذلك اجتماع دليل الأصول مع لزوم التخصيص حذرا عن المخالفة العلميّة ، ودورانه بين خروج الفردين مطلقا وفي جميع الأحوال ، أو خروج كلّ منهما في حال عدم ارتكاب الآخر ، موجب للتخيير في المقام ، بل ما نحن فيه أولى منه ، لأنّ المخصّص هنا عقليّ ، والعقل يحكم بأنّ ما يوجب الامتناع هو إطلاق الدليل لا عمومه الأفرادي ، فليس المخصّص حكم العقل مجملا دائرا بين الأقلّ والأكثر كما في المثال ، فيحكم العقل حكما ثابتا بأنّ ملاك التصرّف في أدلّة الحليّة ليس إلّا تقييد الإطلاق لا تخصيص الأفراد .
وأمّا الثاني : فلأنّ الحليّة المستفادة من أدلّة الأصول ، مقيّدة بكون المكلّف قادرا حسب التشريع ، أي عدم استلزامه المخالفة العمليّة والترخيص في المعصية .
وإن شئت قلت : مقيّدة عقلا بعدم استلزامها الإذن في المعصية القطعيّة ، فحينئذ يجري فيه ما ذكره قدس سرّه طابق النعل بالنعل ، من أنّ كلّ واحد من المتعارضين يقتضي صرف قدرة المكلّف في متعلّقه ونفي الموانع عن وجوده ، فلمّا لم يكن للعبد إلّا صرف قدرته في واحد منهما ، فيقع لا تعارض بينهما ، فحينئذ :
إمّا أن نقول بسقوط التكليفين ، واستكشاف العقل تكليفا تخييريّا .
أو نقول بتقييد إطلاق كلّ منهما لحال امتثال الآخر .
فيكون حال الأصول المتعارضة حال المتزاحمين حرفا بحرق ) « 1 » ، انتهى كلامه .
أقول : ولكنّ الإنصاف بعد الدقّة والتأمّل يقتضي إمكان دعوى الفرق بين المقام وبين الدليلين المتزاحمين ، وإن كان الإشكال في قسمه الأوّل وهو الدليل
هامش
( 1 ) تهذيب الأصول : ج 2 / 328 .