وثالثة : ما يكون المنهيّ عنه هو نفي جميع الأفراد مجموعاً من الطبيعة المنهي عنها ، فمثّلوا لذلك في العرفيّات بما لو قال المولى : ( لا تأكل كلّ رمّانة في البستان ) أو في طرف خاصّ ، حيث يستفاد منه أنّ أكل بعضها غير مبغوض ، حتّى إذا لم يبلغ إلى الجميع ، بل ويمكن أن يمثل في الشرعيّات بمثل نهي الشارع للصائم عن ارتماس جميع رأسه في الماء ، وكذا قوله : ( لا تهجر الفراش أربعة أشهر ) ، حيث يستفاد أنّ بعضه أو أقلّ منه لا يضرّ بحاله وبصومه مثلًا ، ونظائر ذلك يوجد في الشرعيّات والعرفيّات ، هذا كلّه في مقام التصوّر والثبوت ممّا لا كلام ولا إشكال في إمكانه ، بل ووقوعه .
وأمّا الكلام في مرحلة الإثبات : فقد اشتهر في الألسنة بأنّ الطبيعة قد توجد بفرد واحد ، وتنعدم بعدم جميع أفرادها ، وشهرة ذلك على حدّ يقرب أن يصير أصلًا شايعاً في لسان القوم ، وكأنّه من المسلّمات عندهم ، ولذلك ربما استفاد منه بعضهم في المقام بأنّ وجه كون الأمر يتحقّق بصرف الوجود ، والنهي يحصل بعدم جميع أفراده باعتبار أنّهما من شعب هذا الأصل ، بل استدلّوا في كلماتهم على ذلك ، وفهم صاحب « منتهى الأصول » حيث يقول :
( والسرّ في ذلك أنّ وجود الطبيعة يحصل بوجود فرد واحد ، وأمّا انعدام الطبيعة فبانعدام جميع الأفراد . . إلى آخره ) « 1 » .
مع أنّ هذا الأصل غير مربوط بما نحن فيه ، كما سيتّضح لك الأمر في ذلك إن شاء اللَّه .
هامش
( 1 ) منتهى الأصول : 1 / 378 .