شرح
أما الأول فنقول : إنّ السحر يقارب ما يرادف التموية والخديعة ؛ لأنّه ابراز الباطل وما لا واقع له بصورة الأمر الواقعي بحيث يخيل أنّه أمر حقيقي كما يظهر ذلك من اللغة « 1 » ، وبهذا المعنى جاء الكتاب العزيز فيقول سبحانه وتعالى في سورة طه / 66 :فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعىفالحبال والعصي لم تنقلب أفاعي ، وإنّما سحروا أعين الناس فتخيلوا أنّها حيات تسعى في الوادي .
ومن هذا السنخ اطلاق قريش اسم الساحر على النبي الأقدس صلّى اللّه عليه واله ، وقد يستعمل السحر في مطلق صرف الشيء عما هو عليه سواء كان أمرا باطلا خياليا أو حقيقيا ، ومنه اطلاق السحر على الكلام مبالغة في الذم فيما إذا كان جالبا مع خلوه عن المحسنات كما قد يقصدون من اطلاقه عليه المبالغة في المدح لاشتماله على ما
هامش
( 1 ) في الصحاح والقاموس : السحر كل ما لطف مأخذه ودق ، وفي المغرب للمطرزي والمصباح : هو الخديعة ، وفي مقاييس اللغة لابن فارس 3 / 138 : قال قوم : هو إخراج الباطل في صورة الحق ، ويقال : هو الخديعة ، وعد الراغب الاصفهاني في مفردات اللغة من معانيه اطلاقه على الخداع والتخييلات التي لا حقيقة لها ، وفي التهذيب أصل السحر صرف الشيء عن حقيقته إلى غيره ، فكأن الساحر لما رأى الباطل في صورة الحق وخيل الشيء على غير حقيقته فقد سحر الشيء عن وجهه أي صرفه .
وفي مقدمة مرآة الأنوار / 119 تأليف الشيخ الجليل أبي الحسن الفتوني على التحقيق وقد نبه عليه النوري في خاتمة المستدرك 3 / 385 : السحر بمعنى الخدعة وتخليط العقل والصرف إلى شيء عن جهته ، وفي المجازات النبوية / 94 ، ط - مصر : السحر في الأصل التمويه والخديعة والتلبيس والتغطية ، وفي مجمع البيان 1 / 170 ، ط ، صيدا - عند قوله ( ويتعلمون منهما ) : السحر عمل خفي الخفاء سببه يصور الشيء بخلاف صورته ، ويقلبه عن جنسه في الظاهر دون الحقيقة .