كما أنّ البحث أو الفحص عن الحكمة من الأحكام الإلهية وما فيها من مصلحة ، وهو ما تتناوله أقلام المتكلمين ، كل ذلك ليس بحثاً عن القدر ، إلّاأنّ يكون البحث في سلسلة أحكام عبادية بحتة ، ومعرفة أسرارها وعللها لا تتم إلّا عن طريق الوحي والنبي الأكرم نفسه صلى الله عليه وآله والأئمة من بعده عليهم السلام الذين هم خلفاءه ، فبواسطتهم يمكن استكشافها ومعرفة كنهها ، فليس بيان حكمتها تعويلًا على الحدس والتخمين فيها مقنعاً والقول بغير علم فيها منهي عنه .
ولعل المقصود من القدر ، الغامضة معرفتُه والمظلم مسلكه وواديه ، هو المعايير والمقادير والنظم الكائنة في عالم الخلق - غير النظم الظاهرية والأسباب والمسببات المعلومة - والأمور التي لايرقى إليها إدراك البشر والبعيدة عن متناول العلوم البشرية ، وبعبارة أخرى أسرار الخلق والإيجاد والنظم والأحوال الكلية ، العامة الجارية على العالم وسر قسمة الأرزاق .
والخلاصة : الأمور التي يكون البحث فيها والفحص عنها ، موجباً للشك والحيرة والتردد وظهور فلسفة التحير ( لست أدري ) ، وربّما يكون مدعاة للإعتراض وسوء الظن ، وسالباً لحال الاطمئنان في النفس وحسن ظن الإنسان بكل ما يجري في العالم ، ومزلزلًا لركونه وتسليمه لأمر اللَّه الذي يكون فيه في أحسن الحالات وأسعدها ، أي : أنّ السلوك في هذا الوادي والتفكير فيه لايعيق الإنسان من أن ينتهي إلى هدف فحسب بل يجعله مبتلى بمرض سوء الظن والحيرة ، وهو من أخطر الأمراض النفسية ، وربّما تسوق صاحبها إلى التفكير في انتحاره وتدمير أحبابه .
والكلام الآخر - هنا - الذي فيه مجال للاستدراك على الشيخ المفيد رحمه اللَّه أنّه قال : قال الشيخ أبو جعفر في القضاء والقدر : والكلام في القدر منهي عنه ،
لمحات في الكتاب والحديث والمذهب — صفحة 268
مساهمون: الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني
ص٢٦٨