ومن عمّاله على المدينة مروان بن الحكم ، وكان لا يدع سب علي عليه السلام على المنبر كل جمعة تنفيذاً لأوامر معاوية .
وكتب إلى عمّاله نسخة واحدة « أُنظروا من قامت عليه البيّنة أنّه يحب علياً وأهل بيته فامحوه من الديوان وأسقطوا عطاه ورزقه » .
وشفع ذلك بنسخة أُخرى : « من اتهمتموه بموالاة هؤلاء القوم فنكلوه به واهدموا داره » .
فلم يكن البلاء وأكثر منه بالعراق ولا سيما بالكوفة ، حتى أنّ الرجل من شيعة علي عليه السلام ليأتيه من يثق بدينه فيدخل بيته فيلقى إليه سره ، ويخاف من خادمه ومملوكه ولا يحدث حتى يأخذ عليه الأيمان الغليظة ليكتمنّ عليه .
ونقل أبو عثمان الجاحظ : إنّ معاوية كان يقول في آخر خطبته : اللهم إنّ أبا تراب ( إلى آخر ما قال مما لم نذكره حياءاً من الله ورسوله ) .
وروى فيه أيضاً : أنّ قوماً من بني أُمية قالوا لمعاوية : إنّك قد بلغت ما أمّلت ، فلو كففت عن هذا الرجل . فقال : لا والله حتى يربو عليه الصغير ويهرم عليه الكبير ولا يذكر له ذاكر فضلًا « 1 » .
هامش
( 1 ) راجع في ذلك النصائح الكافية : ص 72 - / 75 . وذكر في العتب الجميل : ص 74 و 75 أنّ عمر بن عبد العزيز لما ترك تلك البدعة المنكرة ، وهي التطاول على مقام أمير المؤمنين علي عليه السلام في خطبة الجمعة ارتج المسجد بصياح من فيه بعمر بن عبد العزيز « تركت السنة تركت السنة » . وزعم أهل حران لما نهوا عن استمرارهم على تلك السنة الملعونة أن الجمعة لا تصح بدونها . قال : ويوجد الآن كثير من علماء السوء يعتقدون في أُمور أنّها من السنة وهي من النصب .
وذكر المستشرق مارجليوث في كتابه ( دراسات عن المؤرخين العرب ) ص 100 عن المدائني : أنّه لم يسمع بالشام في عهد الأُمويين أحداً يسمى علياً ولا حسناً ولا حسيناً ، وإنّما معاوية ويزيد والوليد من أسماء خلفاء بنى أُمية ، فمر مسافر في ذلك الوقت بدار فاستسقى صاحبها ، فسمعه ينادي ابناً له باسم الحسن ليسقيه ، فسأل المسافر : كيف سمى ابنه بذلك الاسم ؟ فكان جوابه : إنّ أهل الشام يسمون أولادهم بأسماء خلفاء الله ولا يزال أحدنا يلعن ولده ويشتمه وإنّما سمّيت أولادي بأسماء أعداء الله ، فإذا لعنت إنّما ألعن أعداء الله .
وفي كتاب غاية الأماني في أخبار القطر اليماني : ص 117 قال : لما أمر عمر بن عبد العزيز برفع اللعن عن أمير المؤمنين علي عليه السلام في جميع الآفاق ، ووصل الأمر بذلك إلى صنعاء وأن يجعل مكانها إن الله يأمر بالعدل والاحسان . . . الآية ، وخطب الخطيب بها في جامع صنعاء ، فقام إليه ابن محفوظ - / لعنه الله - / وقال : قطعت السنة . قال : بل هي البدعة . فقال : والله لأنهضنّ إلى الشام ، فإن وجدت الخليفة قد عزم على قطعها لأضرمنّ الشام عليه ناراً . وخرج ابن محفوظ من صنعاء فلحقه أهلها إلى طرف القاع المعروف بالمنجل غربي صنعاء ، فرجموه بالحجارة حتى غمروه وبغلته ، فهو يرجم إلى الآن كما يرجم قبر أبي رعال قائد فيل أبرهة الحبشي .