من ألقى جلباب الإنسانية عن نفسه ، ورفع اللَّه الرحمة عن قلبه ، وأين هذا من رجل كان معلّم الأخلاق ، ولا يزال يكون تصانيفه فيالحكمة العملية من مصادر التربية ، وتعليم إصلاح الباطن وتهذيب النفس « 1 » .
نعم ليس لمثل الخواجة ذنب غير حب أهل البيت ، فصار بهذا الذنب غرضاً لسهام الجهّال ، كما أنّ الشارح المعتزلي السني الذي توفّي قبل استيلاء المغول على بغداد « 2 » ليس له ذنب غير شرح نهج البلاغة ، وما أبان فيه من الحقائق التاريخية ، وفضائل أهل البيت ، ومثالب مبغضيهم ، فلم يحرّمه الخطيب من افتراءاته ، ونسب إليه الاشتراك في هذه الفاجعة ، ولم يسند ذلك إلى أي كتاب من كتب التراجم والتاريخ ، ولم يأت في تحامله على هذا الشرح الذي يُعدّ من نفائس كتب المسلمين في الأدب والتاريخ واللغة ، والكلام وغيرها ، إلّابالفحش والشتم ، والخروج عن أدب الكتابة .
هذا مختصر الكلام حول هذه الحادثة وأسبابها ، ولا ريب أنّها من أعظم عبر التاريخ ، ويجب على المسلمين الاعتبار بها وإن يعرفوا ضرر التنازع والتدابر ، والانهماك في المعاصي ، والاشتغال بالملاهي والملذّات .
وما كان اللَّه ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون « 3 » .
هامش
( 1 ) قال ابن كثير في تاريخه ( ج 13 ص 267 ) وعندي أن هذا لا يصدر من عاقل ولا فاضل ، وقد ذكره بعض البغادة فأثنى عليه ، وقال : كان عاقلًا فاضلًا ، كريم الأخلاق .
( 2 ) فإن سقوط بغداد كانت في سنة 656 ه وابن أبي الحديد توفي سنة 655 ه ( تاريخ ابن كثير : ج 13 ص 199 و 200 ) .
( 3 ) التوبة : الآية 70 .