تخطي إلى المحتوى الرئيسي

لمحات في الكتاب والحديث والمذهب — صفحة 191

مساهمون:

ص١٩١
قلتُ : لا ريب في ذلك ، ولكن قد بيّنّا لك أنّ الشرع إنّما يحكم تأسيساً ، وهو المرجع الأول فيما لاحكم فيه للعقل ، ففي دائرة الأحكام والتكاليف الشرعية - وضعية كانت أو تكليفية - الإسلام يجب ما قبله ، ويذهب بالآثار الشرعية المترتبة على الأفعال التي ارتكبها الشخص قبل إسلامه على التفصيل المذكور في الفقه ، أمّا الآثار الوضعية الحقيقية فليست بتشريعية ، ولاتنالها يد الإنشاء والاعتبار ، فليست قابلة للمحو بالإسلام والتوبة . فتنفُّر الطباع عمّن ارتكب قبائح الأعمال والشرور وعبد الأصنام قبل إسلامه وتوبته لا يزول بهما ، وكذا عدم الاعتماد على الكذّابين والخائنين وأهل الفجور والشر والفساد أمر طبيعي لا يمكن رفعه بالإنشاء ، ومصلحة النبوّات وتربية العباد ، وسياسة أمورهم تقتضي أن يكون النبي والإمام من غيرهم . وكم فرق بين من لم يكفر باللَّه طرفة عين ، وكان له في سالف عمره سوابق حسنة ، وكانت حياته مضيئة بالخيرات مشرقة بالصلح والسلم والكرامة الإنسانية والرشد والفلاح ومنع الظلم ورحمة الأيتام والضعفاء والمستضعفين ، وبين من مضى برهة من عمره في عبادة الأصنام وارتكاب القبائح حتى وَأْد البنات بقساوة شديدة قلّما يرى مثلها في تاريخ الإنسان « 1 » .
هامش
( 1 ) وهذا عمر بن الخطاب قد دفن فيما روي ستّاً من بناته في الجاهلية ، وإن كان ليحفر لإحداهنّ الحفرة يريد أن يئدها فيها فيتخلّله غبار الحفر فتنفض البنت عن أبيها غباره ، وتمشّط لحيته بأصابعها حناناً ورقةً فلا يلين ذلك من قلبه شيئاً ، حتى إذا انتهى زجّها في قبرها وأهال التراب بين بكائها وعويلها واستنجادها به : يا أبتاه ! ( الأُستاذ محمد سعيد الأفغاني - مجلة حضارة الإسلام ، طبع دمشق ، العدد 2 ، ص 21 ، س 22 ) .
لمحات في الكتاب والحديث والمذهب — صفحة 191 | الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني