ومثّل لذلك : بأن يقال إنّ الأصل في أحد الإنائين المشتبهين عدم وجوب الاجتناب عنه ، فإنّه يوجب الحكم بوجوب الاجتناب عن الآخر ، أو عدم بلوغ الملاقى للنجاسة كرّاً ، أو عدم تقدّم الكرّية حيث يعلم بحدوثها على ملاقاة النجاسة ، فإنّ إعمال الأصول يوجب الاجتناب عن الإناء الآخر أو الملاقى أو الماء .
أقول : إنّ ثبوت حكم شرعي من جهة أخرى يتصوّر على أقسام :
القسم الأوّل : أن لا يكون بينهما ترتّب شرعاً ولا عقلًا ، إلّاأنّ العلم الإجمالي أوجب ذلك بينهما ، كما في المثال الأوّل الذي ذكره الفاضل التوني ، فإنّه لا ترتّب بين طهارة أحدهما ونجاسة الآخر ، إلّامن ناحية العلم الإجمالي بنجاسة أحدهما ، ففي مثل ذلك لا تجري البراءة ، لا لما أفاده ، فإنّ الأصل ليس حجّة في مثبتاته ، بل لابتلائه بالمعارض . وأمّا المثالان الآخران في كلامه فهما مثالان للاستصحاب ، ولا علاقة لهما بالبراءة .
القسم الثاني : أن يكون الترتّب عقليّاً ، كترتّب وجوب المهمّ على عدم وجوب الأهمّ ، بناءً على القول بعدم إمكان الترتّب .
فإنّ الموجب لرفع اليد عن إطلاق دليل المهمّ إنّما هو فعليّة التكليف بالأهمّ ، الموجب لعجز المكلّف عن الإتيان بالمهمّ ، وفي مثل ذلك لو فرض الشكّ في تعيين التكليف بالأهمّ ، للشكّ في أهميّته ، وجرى الأصل في تعيّنه ولازمه ترخيص الشارع في ترك الأهمّ ، كان المهمّ واجباً لإطلاق دليله . فهو المثبت لوجوبه لا البراءة ، وإنّما هي ترفع المانع وهو عجز المكلّف ، فلا مورد لاشتراط جريان البراءة بعدم إثباته للحكم الإلزامي .
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 157
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص١٥٧