لا يقال : إنّه على هذا يلزم الكذب ، تعالى اللَّه عن ذلك ، فإنّ التائب لا يُعاقب ، كما أنّ مَن شُفِع له أو عُفيَ عنه لا يُعاقب .
فإنّه يقال : إنّ تلك الآيات تُستعمل على نحو الكناية ، وبصدد بيان الأحكام ، ومن المعلوم أنّ الصدق والكذب في الكنايات يدوران مدار ما سيق الكلام لبيانه ، لا ما هو مفاد القضيّة بالمطابقة . ألا ترى أنّ قولك : ( زيدٌ كثير الرماد ) صادقٌ إذا كان جواداً ، وإن لم يكن عنده رمادٌ فعلًا ، وكاذبٌ إذا لم يكن جواداً ، فظهر أنّ جواب الشيخ الأعظم وحده تامّ .
ويمكن الجواب عنه بجوابٍ آخر : وهو أنّ الظاهر من الآية نفي الاستحقاق ، إذ الظاهر منها كونها بصدد بيان أنّ سُنّة اللَّه جارية على ذلك ، وأنّ العقاب غير لائقٍ بمقامه ، ولا يناسب صدوره منه ، ومن البديهي أنّ العقاب مع عدم الاستحقاق لا يليق بشأنه ، وأمّا العقاب مع الاستحقاق فهو لائقٌ بشأنه ، فمن نفي العقاب بهذا البيان يُستكشف عدم الاستحقاق .
الإيراد الثالث : أنّ هذه الآية لا تنفع في مقابل الأخباري ، فإنّه يزعم صلاحية أخبار الاحتياط لتكون بياناً ، فتكون نسبة هذه الآية إلى دليلهم نسبة الأصل إلى الدليل .
وفيه : أنّ المراد ببعث الرُّسل بيان الحكم الواقعي ، إذ الظاهر منه بيان ما يترتّب على مخالفته العقاب ، وليس هو إلّاالحكم الواقعي ولا شبهة في أنّ أخبار الاحتياط ليست بياناً له .
الإيراد الرابع : أنّ المراد من بعث الرُّسل ، إنْ كان وصول الحكم ، صحّ ما ذُكر ، ولكن من الممكن - لو لم يكن هو الظاهر - أنّ المراد به البيان في مقابل السكوت ،
زبدة الأصول (ط الخامسة) — صفحة 241
مساهمون: السيد محمد صادق الروحاني
ص٢٤١