الثانية : الدلالة التفهيميّة ، ويعبّر عنها بالدلالة التصديقيّة فيما قال ، والمراد بها انعقاد الظهور فيما قاله المتكلّم ، وهذه الدلالة تتوقّف على عدم وجود القرينة المتّصلة ، ولا يضرّ بها وجود القرينة المنفصلة التي هي الدلالة اللّفظيّة .
الثالثة : الدلالة التصديقيّة الكاشفة عن مطابقة المراد الجدِّي للمراد الاستعمالي ، ولا علاقة لها باللّفظ ، بل مدركها سيرة العقلاء في المحاورات ، وهذه الدلالة تتوقّف على عدم وجود القرينة ولو منفصلًا ، وعلى ذلك فالقرينة المنفصلة كاشفة عن تقييد المراد الجدِّي ، ولا ينثلم بها ظهور المطلق في الإطلاق .
ويترتّب على ذلك أنّ تقييد المطلق من جهة ، لا يوجب سقوط إطلاق الكلام من الجهات الأخرى .
مثلًا لو فرضنا أنّ قوله تعالى : « وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ » « 1 » في مقام البيان من جميع الجهات ، وورد عليها ما يدلّ على أنّ صحّة البيع مقيّدة بعدم كون البايع صبيا أو مجنونا ، وشكّ في ورود التقييد عليها من جهة أخرى ، ككون الإنشاء باللّفظ ، وعدم كفاية المعاطاة ، فلا مانع حينئذٍ من التمسّك بالإطلاق والحكم بعدم اعتباره .
الأمر الثاني : المشهور بين الأصحاب ، أنّ الأصل فيما شكّ في كون المتكلّم في مقام البيان ، حمل كلامه عليه ، فعدم كونه في هذا المقام ، يحتاج إلى دليل .
أقول : الحقّ - تبعاً للمحقّق النائيني « 2 » - هو التفصيل :
بين ما لو شكّ فيأنّ المتكلّم في مقام التشريع ، أو أنّه في مقام بيان تماممراده .
وبين ما لو شكّ في ذلك من جهة سعة الإرادة وضيقها ، بأنْ علمنا أنّ لكلامه
هامش
( 1 ) سورة البقرة : الآية 275 .
( 2 ) أجود التقريرات : ج 2 / 430 .