تضادّ بينها في مقام الاقتضاء ، وإنّما التضادّ بينها يكون في مقام الفعليّة ، وعليه فبما أنّ المفروض وجود الملاكين في المجمع ، فلا محالة يكون الانشائان ثابتين ، وحيث أنّ المانع عن فعليّة الأمر إنّما هو فعليّة النهي ، ففي صورة الجهل عن قصورٍ يسقط النهي عن الفعليّة ، فلا محالة يصير الأمر فعليّاً .
وفيه : إنّ التنافي والتضادّ ثابتٌ في مقام الاقتضاء والإنشاء ، إذ المصلحة التي تكون ملاكاً ومنشئاً للأمر هي المصلحة غير المزاحمة بالمفسدة أو الغالبة عليها ، والمفسدة التي تكون منشئاً للنهي هي ما لا تكون مزاحمة للمصلحة أو تكون غالبة عليها ، وعليه فلا يعقل اجتماعهما في واحد .
وأمّا الإنشاء فإن أريد به استعمال اللّفظ في المعنى ، فهو وإن لم يكن مضادّاً مع حكم إنشائي آخر ، إلّاأنّه لا يكون منشئاً للأثر أصلًا ، وإن أريد به إنشاء الحكم على طبق الملاك ، ويكون ناشئاً عن الإرادة والكراهة ، فهو وإن كان لا تضادّ بينه وبين حكم إنشائي آخر كذلك ، إذ الجعل خفيف المؤونة ، إلّاأنّه يثبت التضادّ بينهما بالعَرَض ، من جهة التضادّ بين ملاكيهما ، ومن ناحية المنتهى أيضاً ، كما سيجئ تنقيح القول في ذلك .
قال المحقّق الخراساني : ( وقد انقدح بذلك الفرقُ بين ما إذا كان دليلًا الحرمة والوجوب متعارضين ، وقُدّم دليل الحرمة تخييراً أو ترجيحاً ، حيث لا يكون معه مجالٌ للصحّة أصلًا ، وبين ما إذا كانا من باب الاجتماع ، وقيل بالامتناع وتقديم جانب النهي ، حيث يقع صحيحاً في غير موردٍ من موارد الجهل والنسيان لموافقته للغرض بل للأمر ) « 1 » انتهى .
هامش
( 1 ) كفاية الأصول : ص 157 .