أقول : وقد يُدَّعى - كما عن المحقّق النائيني رحمه الله « 1 » - بأنّ الوضع وسطٌ بين الواقعيّات والجعليّات .
وحاصل ما ذكره : إنّه بعدما نقطع بحسب التواريخ أنّه ليس هناك شخصٌ أو جماعة وضعوا الألفاظ للمعاني ، ونرى عدم كون الدلالة ذاتيّة ، فلا محيص عن الالتزام بأنّ الواضع هو اللَّه تعالى ، حيث جعل لكلّ معنى لفظاً خاصّاً لما بينهما من مناسبة مجهولة عندنا ، وهذا الجعل منه تعالى ليس جعلًا تكوينيّاً كحدوث العطش عند احتياج المعدة إلى الماء ، ولا جعلًا تشريعيّاً كجعل الأحكام المحتاج إيصالها إلى إرسال الرُّسل ، بل يكون وسطاً بينهما ، فيلهم اللَّه تبارك وتعالى عباده على اختلافهم بالتكلّم بلفظٍ مخصوص عند إرادة معنى خاصّ ، فحقيقة الوضع هو التخصيص والجعل الإلهي .
ويرد عليه : مضافاً إلى أنّ لازم ما ذكره عدم كونه أمراً واقعيّاً بل جعليّاً ، غاية الأمر طريق إيصاله يباين طريق إيصال سائر المجعولات الشرعيّة ، وذلك لا يخرجه عن كونه جعليّاً .
وهذا البرهان مؤلّفٌ من أمرين :
الأوّل : عدم إمكان كون الواضع هو البشر ، لاستحالة إحداث شخصٍ أو أشخاص ألفاظ جديدة بقدر ألفاظ أي لغة ، أو تعذّره ، بل تصوّر المعاني أيضاً .
الثاني : عدم تسجيل التاريخ ذلك ، ولو كان الواضع شخصاً أو أشخاصاً لا محالة كان مسجّلًا في التاريخ .
ويرد على الأوّل : بأنّه من الممكن أن يكون الواضع جماعة يضعون كلّ لفظٍ خاص عند الاحتياج إلى إبراز المعاني المخصوصة في مدَّة من الزمن . وممّا يؤكّد
هامش
( 1 ) أجود التقريرات : ج 1 / 12 .