قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ » « 1 » .
وفيه : إنّ اللّام في قوله : « لِجَهَنَّمَ » ليست للعلّة ، بل للعاقبة والمآل والصيرورة ، كما في قول الشاعر : ( لِدُوا للموت وابنوا للخراب ) . فالآية الشريفة لا تدلّ على أنّ كثيراً من الإنس والجنّ خُلِقوا ليدخلوا السعير ، بل تدلّ على أنّ عاقبة كثير من الطائفتين هو دخول جهنّم ، وذيلها يدلّ على أنّ هذه العاقبة التي في انتظارهم ليست بجبرٍ من اللَّه تعالى ، بل من ناحية أنّهم أفشلوا وسائل إدراكاتهم بالمعاصي عن اختيار .
أقول : وبذلك يظهر الجواب عن الاستدلال له بقوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ » « خَتَمَ اللّهُ عَلَى قُلُوبِهمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ » « 2 » فإنّ هذه الآية واردة في الذين كفروا باختيارهم ، ولا يبعدُ أن يكون المراد بهم الكفّار من كبراء مكّة الذين عاندوا في أمر الدِّين ، ولم يألوا جهداً في ذلك ، تدلّ خصوصاً بقرينة تغيير السياق - حيث نسب الختم إلى نفسه تعالى ، والغشاوة إليهم أنفسهم - على أنّ فيهم حجابين : حجاباً في أنفسهم ، وحجاباً من اللَّه تعالى عقيب كفرهم ، فأعمالهم متوسّطة بين حجابين من ذاتهم ومن اللَّه تعالى .
* * *
القول بالجبر مخالف للوجدان
القول بالجبر مخالف للوجدان
فالمتحصّل ممّا ذكرناه : أنّ شيئاً من البراهين التي أقيمت على الجبر لا يتمّ .
أضف إلى ذلك : أنّ القول به مخالف للحسّ والوجدان ، وذلك لأنّ كلّ إنسان
هامش
( 1 ) سورة الأعراف : الآية 179 .
( 2 ) سورة البقرة : الآية 6 و 7 .