في الأوّل - الذي هو كناية - اطلق كثير الرماد مستعملًا في ذاك المفهوم ولكن المقصود تفهيم معنى آخر وهو الجواد ؛ فالمقصود الجدّي هو أن لا يقف المخاطب على المفهوم الاستعمالي ؛ بل اخذ ذاك المفهوم مجازاً أو معبراً إلى مفهوم آخر .
فالمقصود الجدّي من كثير الرماد في « أكرم كثير الرماد » هو الجواد ؛ بخلاف القضيّة الأخرى ؛ بعد أن كان المقصود الاستعمالي فيه وفي القضيّة الأخرى شيء واحد .
ثمّ الأصل في القضايا هو أن يكون المدلول الاستعمالي هو مراداً جدّياً ما لم تقم قرينة على غيره .
فمعنى أصالة الجدّ هنا هو أنّ المتكلّم لم يقصد تفهيم معنى آخر ليكون المعنى الاستعمالي مَعبراً إلى غيره .
ثمّ بعدما تحقّق المراد الجدّي بالأصل أو بغيره يبحث عن كون ما هو المراد جدّاً - ولو بالأصل - هل هو ظاهر في أصالة الموضوع ؛ بمعنى كون الملاك - بحسب الدلالة - قائماً بعنوان الموضوع المذكور في القضيّة ؛ فمعنى القضية المتقدّمة هو أكرم فلاناً لكونه جواداً ، أو أنّه لا ظهور للقضية في ذلك ؛ بل لا ينافي أن يكون إكرامه لكونه رحماً له ؛ فملاك الإكرام الرحمية لا الجود ؛ ولكن لمّا كان في مورد القضية بين الأمرين تلازم في المصداق عبّر به ؛ فمعنى القضيّة أنّ من هو بالحمل الشائع جواد يجب إكرامه ؛ لا بعلّة ذلك .
الأمر الخامس : أنّ جهة البحث في مسألتنا هي غير مسألة أنّ موضوع الحكم قد يكون الشيء بحدوثه وبقائه ؛ كما قد يكون موضوع حدوث الحكم وبقائه حدوث الشيء ؛ فلا يدور بقاء الحكم مدار بقاء ذاك الشيء ؛
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (الحج والعمرة) — صفحة 478
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٤٧٨