فلو فرض - لا سمح اللَّه - انقطاع الفقيه المتأخّر عن مصادر الأحكام لفقد النصوص جاز تقليد الفقيه السابق الواقف على المصادر وإن كان نظره مبنيّاً على الحدس ، فيجوز للمجتهد بل يجب عليه متابعته . هذا بالغضّ عن عدم جواز تقليد الميّت الذي لا إطلاق في دليله لمثل الفرض .
وبذلك يفرّق بين قول الرجالي وبين قول الفقيه بحجّية الأوّل بملاك الخبرة دون الثاني ؛ وذلك لانقطاع الفقيه عن مدارك الرجال المسندة والأصلية غير المرسلة ، وهذا بخلاف مدارك الفقه فإنّ المسانيد منها الواصلة إلينا وافٍ بالفقه بحيث لو رجع الفقيه في غير موارد المسانيد المعتبرة - كموارد المرسلات الجزمية المبنيّة على الحدس - إلى الأصول العملية لم يكن في ذلك محذور .
فينحصر اعتبار المراسيل الجزميّة في الفقه على أساس إثبات استناد المخبر بها على الحسّ لتكون حجّة بملاك الإخبار لا بملاك الخبرة ، ومع عدم أصل يثبت كون الخبر حسّياً فيما كان المخبر غير معاصر للخبر - حسبما تقدّم من رجوع الإخبار في مثله إلى الإخبار عن العلم بالخبر والذي لو صرّح به لم يكن هناك أصل يعيّن كون مدرك العلم هو الحسّ - يسقط المرسل الجزمي عن الاعتبار .
وبذلك تفترق المراسيل الجزمية في الفقه عن مرسلات الرجالي ؛ فإنّ اعتبار الثاني بملاك الخبرة ، وأمّا الأوّل فلا يمكن اعتبارها لا بملاك الخبرة لعدم انقطاع الفقهاء عن مدارك الفقه ، ولا بملاك الخبر لعدم ثبوت استناد الخبر فيها إلى الحسّ .
وبذلك يظهر عدم اعتبار فتوى الفقيه على فقيه آخر ، وإن احتمل استناده إلى ما لا سبيل للفقيه الآخر إليه من بعض المدارك ؛ إذ الاعتبار بملاك الخبر - المبتني على الحسّ - مفقود ، لاحتمال الاستناد إلى الحدس ، وبملاك الخبرة موقوف على كون الآخر فاقداً للخبرة أو فاقداً للأسباب التي تنتج الخبرة برعاية تلك الأسباب
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 711
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٧١١