فلابدّ من استناده إلى مقدّمات أخرى حدسيّة ؛ والسرّ في ذلك - بعدما لم يكن عنوان الحسّي والحدسي موضوعاً في دليل لفظيّ شرعي - أنّ العقلاء يعتمدون على خبر الثقة بملاك غير ملاك اعتمادهم على حدس الثقة ، ويصطلحون على الثاني بأهل الخبرة ، كما يصطلحون على الأوّل بخبره . والأوّل حجّة على كلّ أحد ما لم يعلم خلافه ، والثاني حجّة على خصوص مثل المقلّد ، فلا يعتمد خبير على خبير آخر في فنّه ، بخلاف الثقة ؛ فإنّه يعتمد على ثقة آخر في خبره ، وإن تمكّن من تحصيل العلم بالخبر ، وضابط الحسّي عندهم - وبتعبير آخر : ملاك خبر الثقة - هو الخبر المبتني حسب المتعارف على مقدّمات لا تحتاج إلى خبرة ، بل يكفيه مثل الرواية أو السماع ونحو ذلك من وسائل العلم .
كما أنّ العبرة في الحدسي - وبعبارة أخرى : ما هو معتبر بملاك الخبرة - هو ما يتوقّف على مقدّمات لا يحصل العلم بها عادةً إلّابالممارسة والنظر والدقّة والدراسة والتجربة وما شابه ذلك . وليس حصول العلم بها لعامّة الناس متيسّراً إلّابعد طيّ مقدّمات خاصّة ، ولا أنّ تأثير المقدّمات في حصول العلم لمن حصلت له على وتيرة واحدة ، بل ربّما يحصل العلم ببعضها لأحد ، ولا يحصل العلم بأضعافها لآخر .
وممّا يشهد للفرق بين الحسّيات وبين الحدسيّات وقوع الاختلاف في الحدسيّات بما لا يقع مثله في الحسّيات ، وليس هذا إلّامن جهة اختلاف العقلاء في حصول القطع بالمقدّمات الحدسيّة ، بخلاف الحسّيات .
وإن شئت تنظير الفرق بين القسمين أمكن تبيينه بالفرق بين المسائل النظريّة والمسائل البديهيّة .
فما كان مقدّماته حسّية - أو بتعبير آخر ما أمكن العلم به بمقدّمات حسّية - كان
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 681
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٦٨١