ومن الكلام فيها يظهر المقال في سائر الأصول الجزئيّة ، كقاعدة الفراغ والتجاوز والطهارة والاحتياط في الفروج والدماء واعتبار الظنّ في القبلة واليد ونحوها من الأصول الجزئيّة .
أمّا الأوّلان - وهما أصلا البراءة والاستصحاب - فلا ريب في اختصاص دليلهما بموارد احتمال الحكم التكليفي الإلزامي في الأوّل وسبق اليقين في الثاني ؛ بلا فرق بين الأصلين في الشبهات الحكميّة أو في الشبهات الموضوعيّة ؛ بل بعض نصوص الأصلين موردها الشبهة الموضوعيّة ، فلا يحتمل تقدّم القرعة على الأصلين حتّى في الشبهات الموضوعيّة فضلًا عن الحكميّة .
مضافاً إلى ما سبق منّا من كون عدم اعتبار القرعة في مسألة استنباط الأحكام الكلّية عند المسلمين فضلًا عن المؤمنين من قبيل القرينة الحافّة بالنصوص التي منها نصّ القرعة ، فلا يحتمل شمول مثل دليل القرعة لموارد من هذا القبيل . ولذا لا ترى أحداً تمسّك بالقرعة إذا دار الأمر في كون شيء - كشرب التتن - محكوماً بحلّ أو تحريم ، أو وجوب وعدمه ؛ حتّى إنّه يعدّ التفوّه بمثل ذلك من المضحكات ، بل يعدّ احتماله من السخرية .
بل قرّرنا في محلّه أنّ مفاد أصل البراءة في الشبهات سيّما التحريميّة هو ثابت بدليل اجتهادي وعموم فلا يبقى مجالًا للشكّ ليرجع إلى الأصل ؛ وذلك لعموم قوله تعالى : « قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ » الآية « 1 » . وثبوت الحلّ فيما عدا المحرمات ليس بعنوان المشكوك ليكون هذا كدليل على البراءة ، بل بعنوان ذوات الأشياء وعناوينها المعروفة كالبقر والغنم .
هامش
( 1 ) الأنعام : 151 .