نفقة العلاج ؛ سيّما إذا كانت الجناية عمديّة ؟
والإنصاف أنّ الحكم بكفاية الدية في مثل ذلك مشكل جدّاً ؛ فإنّه خلاف العدل والإنصاف ، فإنّه لا يبعد اختصاص أدلّة الديات في مثل هذه الجنايات بما إذا لم يمكن معالجة الجناية وتداركها بذلك ، كما هو المعهود قديماً بل وحديثاً في كثير من الموارد ؛ فإنّ ترقيع العضو المقطوع أو وصله بعد القطع لم يكن متيسّراً عموماً ، وإنّما أمكن جملة من موارده في الأعصار المتأخّرة بفضل تقدّم العلوم الطبّية ؛ وذلك إمّا للانصراف ، أو لاحتفاف تلك الأدلّة بما يصلح لمنع ظهورها في الإطلاق ؛ لكون المنساق منها أنّ تشريعها بعنوان البدل والعوض عن الفائت ، وهذا لا يكون مع إمكان التدارك والعلاج ؛ فإنّه لا يكون الفوات إلّامع عدم إمكان الجبران بردّ الأصل ، فكأنّ الدية بدل حيلولة ، ولا حيلولة مع إمكان ردّ الجناية .
ومنه يظهر الوجه في عدم ثبوت الدية لو عالج الجناية في الفرض وإن لم يكن واجباً عليه . كما ويظهر الوجه في عدم استحقاق المطالبة بالدية لو كان الجاني مقدماً على العلاج .
ويؤكّد ما ذكرنا معتبرة غياث : « ما دون السمحاق أجر الطبيب » الظاهر في كون زيادة الديات والأروش عن أجر الطبابة في غير السمحاق مفروضاً ، فيكون كالمقيّد لإطلاق أدلّة الديات بما إذا لم تنقص عن اجرة الطبابة ؛ لو كان هناك إطلاق فيها .
بل يمكن أن يُقال : إنّ أدلّة الديات ليست مسوقة لبيان الإطلاق لفرض إمكان العلاج ، وإنّما هي ناظرة إلى تقويم الجناية فيما كانت الجناية معوّضة بالمال ، ألا ترى أنّه لا يمكن التمسّك بإطلاق أدلّة الديات لفرض العمد في الجناية ، وليس ذلك إلّا لكونها ناظرة إلى قيمة الجناية في فرض ثبوتها ، لا إلى تعيين فرض ثبوت الدية من
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 39
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٣٩