وأمّا الكلام في الناحية الثانية - أعني عدم المانع لوجوب العلاج - : فعمدة ما يتصوّر مانعاً في المقام - بعد الأصل المقطوع بما عرفت من الوجوه والأدلّة - هي الأدلّة الدالّة على وجوب تدارك الجنايات بالديات والأروش ؛ فإنّ إطلاقاتها المقاميّة بل اللفظيّة قد تقضي بعدم ثبوت شيء آخر سواها من علاج أو غيره .
والذي يخطر بالبال : أنّ الجنايات القابلة للعلاج على قسمين :
أحدهما : ما يبرأ عادةً ويرتفع أثره بصورة طبيعيّة كالجروح وكسر العظام ورضّها وما شاكل ذلك ، ففي مثل ذلك لا يبعد أن يكون ظاهر أدلّة الديات والأروش هو جواز الاكتفاء بدفع الدية ، وعدم وجوب المعالجة على الجاني ، كما أنّ البرء لا يؤثّر في سقوط الدية .
ومفروض الكلام في هذا القسم ما كانت اجرة العلاج لمن يباشره هي دون الدية المقرّرة .
وأمّا إذا استلزم العلاج - حتّى على تقدير مباشرة المجني عليه له - بذل الزائد عن الدية فهذا يدخل في القسم الثاني .
والسرّ في جواز الاكتفاء ببذل الدية وتعيّنها هو ظهور دليلها في كونها ثابتة بمجرّد حدوث الجناية وعدم تأثير البرء الحاصل بصورة طبيعيّة بعلاج أو بدونه في سقوط الدية ؛ حيث إنّها شرّعت في مورده .
ثانيهما : ما لا يبرأ على المعتاد وبصورة طبيعيّة ، بل يحتاج البرء والعلاج إلى بذل عناية ومؤونة وصرف نفقات ، وذلك كقطع الأعضاء ونحوه من إبطال المنافع ، وربّما احتاج العلاج إلى تحمّل أسفار بعيدة وتكرّرها ، وربّما تكون نفقة تلك الأسفار أضعاف الدية المقرّرة للعضو المقطوع ، فهل إنّ ظاهر أدلّة الديات وإطلاقها في هذا القسم أيضاً يقتضي جواز الاكتفاء ببذل الدية والتخلّي عن تحمّل
المبسوط في فقه المسائل المعاصرة (المسائل الطبية) — صفحة 38
مساهمون: الشيخ محمد القائني
ص٣٨