ولكن يردّه : أنّ المفهوم منها حرمة خلق شيء تشبّهاً باللَّه تعالى ، وأين هذا من كون مطلق تصوير صورة تشبّهاً بالخالق ؟ !
ويحتمل أن يكون المراد من الخبر - على تقدير صدوره - هو التهويل بمن اعتقد أنّه يخلق الأشياء كما أنّ اللَّه يخلقها ؛ فإنّ الخالق لا من شيء ليس إلّااللَّه ، ومَنْ سواه فإنّه يعمل ويخلق بما يسّره اللَّه له من أسباب وموادّ . ويؤكّد هذا المعنى التنبيه في الخبر على عجزهم من خلق النبات ، وعدم اختصاص الحديث بخلق الحيوان .
وخامساً : أنّ هذه النصوص ضعيفة السند ، وعمدة الدليل على حرمة التصوير غيرها ؛ كصحيح محمّد بن مسلم على ما ببالي ، وليس فيه ما يوهم الدلالة على كون التحريم للتشبّه فضلًا عن الدلالة . وقد بسطنا بعض الكلام في التصوير في هذا الكتاب .
الأمر الثامن : وربّما يستدلّ للمنع من الاستتئام والاستنساخ بمنافاتهما لكرامة الإنسان المقرّرة له من اللَّه والمدلول عليها بقوله عزّ من قائل : « وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءَادَمَ وَحَمَلْنهُمْ فِى الْبَرّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنهُم مّنَ الطَّيّبتِ وَفَضَّلْنهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا » « 1 » والتي من فروعها حرمة التمثيل بجسد الإنسان بعد موته ، كما في حياته . وقد ورد في بعض النصوص : « أنّ اللَّه حوّل إلى المؤمن كلّ شيءٍ إلّاماء وجهه » فكرامة الناس أمرٌ لم يكلها اللَّه إلى الناس .
بل ربّما يقال : إنّ هذه الكرامة أصل أوّلي حاكم على كلّ حكم ينافيها ، ولا فرق في هذه الكرامة بين المؤمن وغيره ؛ فإنّ كرامة الخلق عامّة لكلّ مخلوق إنساني .
ولكن لم يظهر لي وجه المنافاة بين عمليّة التوليد المغاير للتوليد التناسلي الشائع وبين كرامة الإنسان ، وأنّها تستلزم أيّ هتك لتلك الكرامة ؟ !
هامش
( 1 ) الاسراء : 70 .