المجتمع ، هو : أنّ الفقهاء يتحرّكون في دراساتهم الفقهيّة من موقع التسليم المحض ، والانقياد الكامل لما كان عليه فقهاء السلف من المباني الاجتهاديّة ، مثلًا إذا ادّعى الفقهاء الأقدمون الإطلاق بالنسبة إلى أحد الأدلّة ، أو أجمعوا على مسألة معيّنة ، فالفقهاء المتأخِّرون لا يجدون في أنفسهم الميل إلى مخالفتهم ، وهذه الحالة تمنعهم من استنباط فتوى جديدة ، وفهم جديد من الأدلّة الشرعيّة .
إذا قبلنا أنّ الشارع المقدّس قد بيّن أحكامه وتعاليمه إلى الناس في إطار عبارات وألفاظ تقوم على أساس المرتكزات العقلائيّة ، وذكرها طبقاً لتلك المرتكزات ؛ فإنّ الكثير من الفروعات الفقهيّة سوف ترتدي ثوباً جديداً على مستوى الحكم .
مثلًا في الآية الشريفة : أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ « 1 » نرى أنّ ارتكاز العقلاء يقوم على أساس أنّ بيع المكره لغو ، وأساساً لا يرونه بيعاً ، فيمكننا أن ندّعي حينئذٍ أنّ الآية الشريفة غير شاملة لهذا النوع من البيع ، ومن الخطأ أن نتصوّر أنّ الآية الشريفة شاملة بإطلاقها بيع المكره ، ونتصوّر بأنّ هذا البيع يقع صحيحاً ، وبذلك تتعارض هذه الآية مع الروايات الدالّة على عدم صحّة بيع المكره .
وهكذا ما ورد في الرواية الشريفة عن عبداللَّه بن مسكان ، عن الإمام الصادق عليه السلام في رجل قطع رأس الميّت ، قال : عليه الدية ؛ لأنّ حرمته ميّتاً كحرمته وهو حيّ « 2 » .
فقد استفاد البعض « 3 » من التعليل الوارد في الرواية الإطلاق والعموم ، بحيث
هامش
( 1 ) سورة البقرة 2 : 275 .
( 2 ) تهذيب الأحكام 10 : 273 ح 1072 ، الاستبصار 4 : 297 ح 1120 ، الفقيه 4 : 117 ح 406 ، وعنها وسائل الشيعة 29 : 327 ، كتاب الديات ، أبواب ديات الأعضاء ب 24 ح 6 .
( 3 ) المكاسب المحرّمة ، لآذري القمّي 1 : 161 - 162 و 167 ، الفقه ومسائل طبّية ، لمحمّد آصف المحسني : 1 : 155 - 158 ، دراست موسّعة حول المسائل المستحدثة ، للشيخ علي آزاد القزويني : 17 - 18 و 51 .