« ومَن ظَلَمَ عبادَ اللَّه كان اللَّهُ خصمَهُ دونَ عبادِهِ ، ومَن خاصَمَهُ اللَّهُ أَدحَضَ حُجَّتَهُ ، وكان للّهِ حَرباً حتّى يَنْزِعَ أو يَتُوبَ » .
تعمّق في بلاغة الكلام
إنّنا نعتقد بأنّ الإمام عليه السلام قد اعتمد بلاغة وسَبكاً في كلامه - في نهج البلاغة - بما يعجز العقل البشري العادي عن الوقوف على عمقه وسبر أغواره ؛ إلّاأنّ التأمّل والتدبّر في كلماته عليه السلام يكشف بما لا يقبل الشكّ دقّة التصوير وروعة التعبير .
فقد طالعتنا عباراته السابقة باستعماله لمفردة « الناس » حين كان الحديث عن أوضاع الأُمّة في ظلّ حكومة العدل الإسلاميّة بالاستناد إلى إحقاق حقوقهم المشروعة ، فقال عليه السلام : « أنصف الناس » بينما أتى بلفظ « الرعية » حين ساق الكلام في موضع آخر في إطار حديثه عن حقوق الأُمّة من حيث كونها جماعة تعيش في كنف الحكومة الإسلاميّة ، فقال عليه السلام : « ومَن لك فيه هوى من رعيتك » .
أمّا هنا حيث أراد أن يتحدّث عن الظلم ويلفت انتباه الآخرين إلى وخامته وأنّ اللَّه هو الذي يواجه الظالم ، لم يعد الكلام عن الناس والرعية ، بل عمد عليه السلام إلى كلمة أخرى تتضمّن معنى الناس من جانب وعلاقتهم باللَّه من جانب آخر ، بحيث اعتمد منتهى الدقّة والبلاغة من أجل إماطة اللثام عن عمق المفهوم الذي أراد توضيحه ، فاكتفى بعبارة قصيرة تختزن معنى واسعاً كبيراً ، فقال عليه السلام « عباد اللَّه » .
لقد اختصر عليه السلام عالماً من المواضيع في كلمة قصيرة ، قال عليه السلام : « ومن ظلم عباد اللَّه » أي أنّ هؤلاء هم عباد اللَّه تربطهم به سبحانه رابطة الخالق بالمخلوق ، الرابط الأعمق والأشمل والأقوى من رابط الابوّة والبنوّة ، هؤلاء عيال اللَّه وأهله ، وإذا ما تعرّضوا للظلم والجور فإنّ اللَّه بالمرصاد لهذا الظالم .
كما يتعرّض عليه السلام لموقف اللَّه حيال الظالم فيصفه قائلًا : « كان للَّهحرباً » فهو