نسيان الذات
يتحلّى البعض بالإيمان والالتزام والشفقة والنهوض بالمسؤولية ، حتّى أنّ إيمانه والتزامه يدفعه لتوجيه بعض الانتقادات - ما عدا أولئك الذين ينتقدون من موقع الترف الفكري واستعراضاً للذات وتمتّعهم بالثقافة بينما ليسوا مستعدّين للنهوض بأيّة مسؤولية - إلى مسؤولي البلاد ومراقبة أعمالهم وما يصدر منهم ، إلّا أنّهم وبمجرّد وصولهم للسلطة والأخذ بزمام الأمور ينسون أعمالهم وتصرّفاتهم ، بل ينسون أنفسهم وكأنّ تسلّمهم المسؤولية قد أزال كلّ نقص وجعل الأوضاع تنتظم وتعود إلى مجاريها الطبيعية .
ولذلك يذكِّر الإمام علي عليه السلام مالكاً بالماضي القريب - والذي كان يوجّه فيه انتقاداته - بهدف الحيلولة دون نسيان الذات والتي تقود بالتالي إلى العجب والاغترار بالنفس ، فيخاطبه عليه السلام قائلًا : « ثُمَّ اعْلَمْ يَا مَالِكُ أَنِّي قَدْ وَجَّهْتُكَ إِلَى بِلادٍ قَدْ جَرَتْ عَلَيْهَا دُوَلٌ قَبْلَكَ ، مِنْ عَدْلٍ « 1 » وَجَوْرٍ ، وَأَنَّ النَّاسَ يَنْظُرُونَ مِنْ أُمُورِكَ فِي مِثْلِ مَا كُنْتَ تَنْظُرُ فِيهِ مِنْ أُمُورِ الْوُلاةِ قَبْلَكَ ، وَيَقُولُونَ فِيكَ مَا كُنْتَ تَقُولُ فِيهِمْ » .
وهنا نتساءل لو أخذ المسؤولون هذه الوصية بنظر الاعتبار وحاسبوا أنفسهم بينهم وبين اللَّه - دون تحكيم أهوائهم وإراداتهم وقبل أن تنظر الامّة في أعمالهم وتصرّفاتهم - فهل ستبقى هنالك من مصاعب ومطبّات في هذه المسيرة ؟
هامش
( 1 ) .
هناك رأيان في مراده عليه السلام بدول العدل قبل مالك : أحدهما أن نقول : المراد عصر حكومة سعد بن قيس ومحمّد بن أبي بكر ، والثاني أن يكون المراد حكومة نبيّ اللَّه يوسف عليه السلام ؛ وذلك لأنّ لفظة الدولة لا تصدق على ولاية سعد بن قيس ومحمّد بن أبي بكر .