ويمكن القول أنّهم أرسوا دعائم أكاديمية للعلوم والمعارف هناك ، بحيث أصبحت بُعيد مدة قصيرة بمثابة حوزة علمية عظيمة ذات شهرة عالمية تحظى باستقطاب العلماء والفضلاء وطلبة العلوم من مختلف الأطراف والأكناف .
وتشير الشواهد التأريخية إلى إقبال كافّة الحكماء والفلاسفة والأدباء والعلماء ، ولا سيّما علماء العلوم العقلية والمدارس الفلسفية عليها آنذاك من كافّة مناطق العالم ، فأسّسوا فيها مختلف المدارس العلمية والمكتبات الضخمة ، وقد بلغ نشر العلم والثقافة وإعداد العلماء الأعلام في هذه الأكاديميّة المهمّة المعروفة درجة جعلت أغلب علماء الإسكندرية ومفكّري الحوزة العلمية المصرية يكونون في مصافّ كبار علماء اليونان ، بل فاقوهم في بعض الميادين فضلًا وعلماً وبراعة ، حتّى باتوا ينافسون علمياً مشاهير العالم ، وقد لفتوا أنظار البشرية إليهم لقرون طويلة .
وهنا نرى من المناسب وكشاهد على ما ذكرناه أن نورد ما ذكره المحقّق والمؤرّخ المعروف « جورج سارتون » فالمؤرّخ المذكور دفعه إنصافه العلمي ووجدانه اليقظ - رغم كونه على دين النصرانية وانتماءه إلى العالم الغربي - للاعتراف بالفضل الذي تدين به الحضارة العالمية ، ولا سيّما الغرب بكافّة علومه ومعارفه للمدنية الإسلاميّة ، كما لا يتوانى هذا المحقّق في استعراض المصادر والأدلّة الواردة بهذا الشأن ، بما جعله يتقدّم حتّى على المسلمين في هذا المجال ، فقد كتب يقول : « هناك شيئان زاغ عنهما البصر في فهم علم الآثار وأوجدا الاختلاف : الأمر الأوّل : ويرتبط بالتصوّر المغلوط عن العلوم الشرقيّة السائدة ، وهذا التفكير في منتهى السذاجة عندما يتصوّر الإنسان أنّ العلم قد انطلق من اليونان ، فإنّ معجزة علوم اليونان قد تقدّمت عليها بآلاف السنين أعمال وجهود المصريّين وربّما بلاد ما بين النهرين ، ويحتمل أيضاً بقيّة البلدان .
وإنّ أكثر ما امتازت به العلوم اليونانيّة هي الجنبة التجديدية دون الجنبة الابتكاريّة والإبداعيّة .
الدولة الاسلامية (شرح لعهد الإمام علي ع إلى مالك الأشتر النخعي) — صفحة 16
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص١٦