معهم ، فدخلنا وصففنا خلف الامام ، وجعلوا يقرؤون في صلاتهم ويولولون ، ونحن نتعجب
من ولولتهم في الصلاة ، وكنا نسكت خلف الامام فلا نقرأ شيئا من القرآن ، وينظرون إلينا
نظرا شزرا ، فلما فرغ الامام حملوا علينا وقالوا : ما هذا الكسل الذي أنتم فيه ، فلم لا
تقرؤون الفاتحة ؟ ! فمن الكسل تركتم الفاتحة خلف الامام ؟ ! فقلت أنا لهم : حتى يجيبكم
عن هذه المسألة فقيهنا ، فإنه كبيرنا ، فسمع الفقيه أبو سعيد الشامي مناظرتنا ، فقال : اسمعوا
حتى أجيبكم ، فإنا لسنا بكسالى ، ولكن الساعة كسل إمامكم في إفراد الإقامة ، حملنا على
هذا الكسل الذي تركنا القراءة خلف الإمام ، وإنما تعلمنا الكسل منكم ، ولو ثنيتم الإقامة ولم
تكسلوا فيها لما اجترأنا على هذا الكسل الذي تعيرونا به ! فأسكتهم بهذا الجواب ونجونا .
قال : وله مثل هذه الحكايات العجيبة المليحة ، وحكى في مجلسه ذلك عنه أيضا
فقال :
كنا معه بالنور فدخلنا كرمينية يوم الجمعة ، فصلى مع الناس الجمعة وأمرناه بارتقاء
المنبر للوعظ فارتقاه ، فسألوه عن جواز الجمعة بكرمينية : هل تجوز أم لا ؟ فقال : إن قلت
تجوز فقد خالفت السلف ، فإنهم كانوا لا يجوزون ، فقلت : لا أخالف سلفي ، وقلت : لا
تجوز ، فقالوا : لم ؟ قال : لأنها ليست ببلدة وهي قرية ، والقرى لا يجمع فيها ، والدليل
على أنها قرية أن العريش يفتل ( 1 ) في باب الجامع ، وعندنا العريش يفتل على أبواب القرى ،
فلو لم تكن هذه البقعة قرية ، وإلا لم فعلتم هذا الفعل على باب جامعكم ؟ فأسكتهم بهذه
الحجة .
قلت : هذه من الحجج التي قال فيها الشاعر :
حجج تكاسر كالزجاج تخالها * حقا ، وكل كاسر مكسور
وجماعة سوى هؤلاء ينتسبون بهذه النسبة ، و " شامة " اسم بعض أجدادهم منهم :
يحيى بن زكريا بن يحيى بن عبد الملك الثقفي الشامي ، يعرف بابن الشامة أندلسي ،
توفي سنة خمس وسبعين ومائتين .
هامش
( 1 ) وفي " النهاية " لابن الأثير 3 : 207 : " كانوا يأتون النخيل فيبتنون من سعفه مثل الكوخ ، فيقيمون فيه " فلعل
فتل العريش المذكور هنا : نسجه من سعف النخيل ، ويكون أبو سعيد الشامي أراد تقريع أهل كرمينية على إقامتهم
هذا العمل الممتهن على أبواب المساجد . وهي جديرة بالتنزيه عنها ، والله أعلم .