كلّ منهما ، على اختلاف المسلكين في ذلك ، كما تقدّمت الإشارة إليهما « 1 » .
وعلى كلّ حال : التخيير في باب التزاحم لم ينشأ من ناحية الدليل الدالّ على وجوب كلّ من المتزاحمين ، بل نشأ من ناحية المدلول والمنكشف ، لما عرفت من أنّ المجعول في باب التكاليف إنّما يقتضي التخيير في امتثال أحد التكليفين عند تعذّر الجمع ، بالبيان المتقدّم .
والفرق بين التخيير الجائي من قبل الدليل والتخيير الجائي من قبل المدلول ، هو أنّ التخيير في الأوّل ظاهري وفي الثاني واقعي ، كما لا يخفى وجهه .
إذا عرفت ذلك فنقول :
إنّ القول بالتخيير في باب تعارض الأصول ممّا لا شاهد عليه ، لا من ناحية الدليل والكاشف ، ولا من ناحية المدلول والمنكشف .
أمّا انتفاء الشاهد من ناحية الدليل : فهو ممّا لا يكاد يخفى ، فإنّ دليل اعتبار كلّ من الأصول العمليّة إنّما يقتضي جريانه عيناً ، سواء عارضه أصل آخر أو لم يعارضه ، وليس في الأدلّة ما يوجب التخيير في إجراء أحد الأصلين المتعارضين .
وأمّا انتفاء الشاهد من ناحية المدلول : فلأنّ المجعول في باب الأصول العمليّة ليس هو إلّاالحكم بتطبيق العمل على مؤدّى الأصل ، إمّا بقيد أنّه الواقع ، وإمّا لا بقيد ذلك - على اختلاف المجعول في باب الأصول التنزيليّة وغيرها - ولكنّ الحكم بذلك ليس على إطلاقه ، بل مع انحفاظ رتبة الحكم الظاهري باجتماع قيود ثلاثة : وهي الجهل بالواقع ، وإمكان الحكم على المؤدّى ، وعدم لزوم المخالفة العمليّة ، فعند اجتماع هذه القيود الثلاثة يصحّ جعل الحكم
هامش
( 1 ) راجع ص 73 .