فالحقّ في المسألة هو التفصيل بين ما إذا كان ما اكرِهَ عليه متناسباً لما اوعِد به ، ف « حديث الرفع » حاكم على « حديث الضرر » وسائر أدلّة الأحكام الأوّليّة ، وبين ما إذا لم يكن متناسباً له - بأن يكون ما اكرِهَ عليه من المهمّات والموبقات ، وما اوعِدَ به مثل الشتم والهتك والضرب وأخذ عشرة دنانير مثلًا - فلا يكون حاكماً عليه ، بل في بعض الموارد لا يمكن الالتزام بالجواز حتّى مع الإيعاد بالقتل .
القول فيما إذا تعارض تضرّر الغير مع تضرّر المالك
الثالث : لو استلزم التصرّف في ملكه الضرر على غيره ، وتركه الضرر على نفسه ، كما أنّه لو حفر بئراً في داره لتضرّر الجار ، ولو لم يحفر يلزم الضرر على نفسه ، فهل يجوز هذا التصرّف أم لا ؟
قال المشهور بالجواز ، وقد استدلّ عليه بوجهين :
أ - انصراف حديث الضرر عمّا إذا كان ترك تصرّفه في ملكه موجباً لتضرّره ، لأنّ النهي عن الإضرار بالغير لا يقتضي تحمّل الضرر ، فلا يجب على المالك تحمّله بترك التصرّف في ملكه لئلّا يقع الضرر على جاره .
وهذا الدليل متين صحيح .
ب - أنّ جواز حفر البئر مثلًا ضرري ، لتضرّر الجار به ، ومنع المالك عن التصرّف في ملكه أيضاً ضرري ، لتضرّر المالك به ، فيتعارض حديث « لا ضرر » في مصداقين من نفسه ، وذلك لأنّه قضيّة حقيقيّة منحلّة إلى قضايا كثيرة ، وإذا سقط الحديث عن صلاحيّة التمسّك به في المقام يرجع إلى قاعدة « السلطنة » أو إلى الأصول العقليّة والشرعيّة .
وفيه : أنّه لا يعقل أن يتكفّل دليل نفي نفسه أو مصاديقه ، فقوله صلى الله عليه وآله :