قلت : لا ضير في ذلك بعد علمنا بأنّ ما ذهب إليه المشهور مستند إلى هذه الأحاديث التي بأيدينا ، ولم يكن لهم مدرك آخر لقاعدة « لا ضرر » سواها ، لكنّهم فهموا منها غير المعنى المختار الموافق لفهم العرف منها .
على أنّهم لم يتّفقوا على معنى واحد كما عرفت ، فإنّ شيخ الشريعة قال بكونه نهياً إلهيّاً ، والباقون قالوا بكونه نفياً ، ولكنّهم اختلفوا بعد ذلك ، فذهب بعضهم إلى أنّ المنفيّ هو الضرر غير المتدارك - كما نقله الشيخ عن بعض الفحول - وبعضهم الآخر إلى كون الاستعمال بنحو الحقيقة من دون ادّعاء ، وبعضهم الثالث إلى كونه بنحو الحقيقة الادّعائيّة ، وبعضهم الرابع - مثل الشيخ رحمه الله - إلى كونه مجازاً ، فإذا لم يتّفقوا على معنى واحد فمخالفتهم سهلة .
حجّيّة حديث « لا ضرر » في زماننا هذا
إذا عرفت أنّ قوله صلى الله عليه وآله : « لا ضرر ولا ضرار » حكم سلطاني صادر عنه حاكم على قاعدة « السلطنة » فاعلم هاهنا أنّه لا يختصّ بزمان النبيّ صلى الله عليه وآله بل هذا النهي عن الإضرار بالغير الصادر عن مقام ولايته صلى الله عليه وآله نافذ في جميع العصور وحاكم على تلك القاعدة إلى يوم القيامة « 1 » ، لأنّ ولايته صلى الله عليه وآله المستفادة من قوله تعالى : « النَّبِىُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ » « 2 » عامّة لجميع المؤمنين في جميع الأعصار ، ووجوب إطاعته المستفاد من قوله تعالى : « يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
هامش
( 1 ) هذا لا ينافي ما تقدّم آنفاً من كون الحديث حاكماً على قاعدة « السلطنة » في خصوص قصّة سمرة ، لأنّ ذلك الكلام كان بالنسبة إلى الأمر بقلع النخلة والرمي بها إليه ، وهذا بالنسبة إلى النهي عن الضرر والضرار . م ح - ى .
( 2 ) الأحزاب : 6 .